Email This Article ...     Printer Friendly ...    
 

تاريخ العنف الدموي في العراق

باقر ياسين

تاريخ النشر  Monday, February 13, 2006




مراجعة: باسم عبد الحميد حمودي
يحفر باقر ياسين بعيداً في حيثيات التاريخ وهو يدون صفحات كتابه (تاريخ العنف الدموي في العراق – الوقائع – الدوافع – الحلول) وأول ما يؤكد عليه في مقدمة الكتاب (ص18) أن (العنف والسلوك العدواني بصوره المتعددة يكاد يكون الصفة المرافقة لنشاطات الإنسان منذ بدء الخليقة، لكنه يجد في تاريخ العراق منذ أقدم العصور وحتى اليوم شيئاً مختلفاً ذلك – في رأيه – أن هذا التاريخ "لا يزدحم بأحداث العنف الدموي والظلم والقسوة الشرسة فحسب بل أن تلك الأحداث.. تميل على نحو ظاهر للاتصاف بالمبالغة والتطرف والتصعيد اللامعقول في أداء هذه المعاني جميعاً والإيغال في تطبيقها وممارساتها إلى الحد الأقصى أي المبالغة بالعنف الدموي والمبالغة بالقسوة والظلم والمبالغة في الشراسة والدموية" ص19.
وهو يعطي لمفهوم المبالغة مدلولين الأول: أن الحدث التاريخي المصنف ضمن أحداث العنف الدموي يحمل في إسلوبه ومنهجه وتنفيذه وتفاصيله صوراً مشددة من القسوة البشعة والهمجية الشنيعة، وربما اختلف في درجة القسوة والشدة عما يماثله ويشبهه في البلدان الأخرى.
المدلول الثاني: أن الأحداث والوقائع المصنفة من هذا النوع هي من الكثرة والانتشار والتزاحم إلى الحد الذي طبعت بطابعها الفائق القسوة عموم مسيرة التاريخ في هذه البلاد الصغيرة جغرافياً.
وليوضح المؤلف هذا الرأي المتطرف في التشاؤم يورد وقائع تاريخية مستفيضة تبدأ منذ عصر فجر السلالات أي منذ الألف الثالث قبل الميلاد إلى اليوم حيث تبدأ الأنواع الأولى للعنف الدموي لتستمر بشكل متصاعد وعنيف حتى القرن العشرين.

والمؤلف يشتغل في بحثه على أساس واحد يورد مكرراً في تحليلاته إذ يتوقف – كمثال – على سبل التشابه بين شخصيتين تاريخيتين إحداهما بكر صوباش قائد الشرطة الانكشاري ببغداد سنة 1209هـ/ 1619م الذي حكم بغداد بقسوة وعنف والثانية شخصية ناظم كزار مدير الأمن العام في العراق بين 1968 – 1970 الذي أذاب أعداءه بالأسيد ونكل بهم بصور بشعة ليصل إلى تحليل أساس يقول في ص199 "إن مسيرة العنف الدموي في هذه البلاد تسير بمنهج واحد لا يتغير وهي ما زالت متواصلة دون توقف مدفوعة بالنوازع السايكولوجية العدوانية ذاتها والأسلوب والمنهج التصعيدي المتفجر ذاته ولا يتغير فيها سوى التسميات وتاريخ السنين وأسماء الأشخاص" وذلك يحيلنا إلى مقولة أن التاريخ تتكرر أحداثه وإن الأخلاقيات السائدة قد تأخذ فلسفات ومناهج فكرية مختلفة لكن أساس البناء النفسي واحد، يتمظهر في عدم قبول الآخر وإلغائه بل وانهاء حياته إن تطلب الأمر ذلك فهل الأمر هكذا في كل تاريخ العراق أم هي وجهة نظر تحتمل النقاش والمعارضة والإيضاح؟ وذلك ما سنراه:
صدر كتاب الأستاذ باقر ياسين في طبعته الأولى ببيروت عام 1999 وقد انبنى على تمهيد وتسعة فصول، حيث يبدو التمهيد مؤكداً على نزعة العنف والقسوة في تاريخ هذا البلد الذي بدأت أولى الحضارات البشرية فيه والذي قدم للإنسانية ولتاريخها أعظم الإنجازات، التحول إلى الزراعة وبناء المدن وقيام الحضارات واختراع الكتابة وبدء التاريخ.. الخ، وبذلك تبدو المعادلة بين البنية الحضارية التي أضافت للإنسانية الكثير وبين السلوك الدموي معادلة مكسورة أحد الجانبين وهي بحاجة إلى نوع من التحليل المضاف لتعديل الصورة.


جاء أول الفصول بعنوان (أحداث العنف الدموي في وادي الرافدين من فجر السلالات 3000 ق م حتى الاحتلال الفارسي 539 ق م) حيث يستعرض المؤلف الممارسات المبكرة للعنف مؤكداً أن يبتعد عن الحديث عن الانتصارات الحضارية والإبداعية التي أنجزها الإنسان فيقف عند عصر فجر السلالات (عصور دول المدن) ليستعرض صراعات مملكة كيش مع بلاد سومر ومملكة أوروك ومملكة أور ثم حرب مملكة لكش وسحقها لمدن أور وارما واوروك وكيش وصولاً إلى دولة بابل وهي تدمر مملكة اشنونا وتحتل مملكة ماري ومن ثم يعرض احتلال الحثيين والكيشيين لبابل وقيام الآشوريين بنشر العنف الدموي وصولاً إلى تدمير آشور ونينوى على يد الميديين سنة 614 ق م ثم قيام نبوخذ نصر ملك بابل فيما بعد بسبي اليهود سنة 598 ق م.
ومن النماذج المختصرة:



• قتل أكثر من ثمانين رجلاً وامرأة مع أحد ملوك أور ليقوموا بخدمة سيدهم في الحياة الآخرة واستمرار ذلك مع موت كل ملك وملكة.
• تدمير لكش على يد الملك السومري لوكال زاكيزي عام 2365 وقتل ابنها ونسائها.
• قام الغوتيون (2159 – 2116 ق م) الآتون من جبال زاكروس بتدمير أكد.
• أسر العيلاميين الملك أبي سين.
• مقتل الملك شمشي ادد الآموري على يد خدمه ثم احتلال حمورابي عاصمة ملكه (ماري) سنة 1759 ق م.
• دموية الآشوريين تجاه الشعوب المجاورة حيث يقف المؤلف عند لوحة الرسام دي لاكروا التي تصور حرق بابل وانتحار شموكين ملكها وقتل محظياته بخناجر الآشوريين.
ركز الفصل الثاني على أحداث الدموي من الاحتلال الفارسي سنة 539 ق م حتى الفتح الإسلامي سنة 634 م ومن نماذجه:
• سقوط بابل سنة 539 ق م.
• معركة كوكسميلة سنة 330 ق م بين الفرس والاسكندر.
• مقتل المهندس سنمار على يد النعمان الأول.
• المنذر يقتل ندماءه.
• عمرو بن المنذر يحرق مائة رجل من بني تميم.
• كسرى ينتقم دموياً من النعمان بن المنذر.
• مذبحة في البلاط الساساني في العراق سنة 630م.
جاء الفصل الثالث تحت عنوان (من بداية الفتح الإسلامي 634م حتى نهاية الحكم الأموي 750م) ومن نماذجه:
• معركة جلولاء.
• معركة تكريت.
• معركة الجمل.
• معركة الطف.
• انتقام المختار بن عبيد.
• مسؤولية الكوفيين في مقتل الإمام زيد بن علي.
• دموية العباسيين تجاه الأمويين الذين خسروا الحكم.

في الفصل الرابع (العنف الدموي في العصر العباسي) 750 – 1258م:

وقف المؤلف على نماذج عديدة من طغيان الحكام وقتلهم خصومهم وحتى أخوتهم ووزراءهم حيث مجازر أبي العباس السفاح والاغتيالات الدموية التي دبرها المنصور وموت أبي حنيفة في سجنه وقيام الخليفة المهدي بالقتل على الشبه وقتل الرشيد البرامكة وقتل المأمون وأخاه الأمين وسبي بغداد وتواصل العنف الدموي للخلفاء كالمعتصم وسواه واغتيال المعتز بالله المستعين وقتل المهدي بالله المعتز وقتل المهدي ضرباً، ثم ثورة الزنج التي نجم عنها قتل نصف مليون إنسان وقيام السلاجقة والبويهيين بقتل الخلفاء وصولاً إلى سقوط بغداد على يد المغول وتنفيذ مجزرة دموية كبرى وإبادة جماعية شاملة لأهل بغداد وتنفيذ مجزرة الموصل على يد المغول سنة 1261 ثم سقوط بغداد على يد تيمور لنك سنة 1293 حيث استبيحت المدينة وتفسخت جثث أهلها ليصل إلى مذابح الحكام التركمان من دولتي الخروف الأسود والخروف الأبيض لأهل بغداد وسواها من مدن العراق عند الاحتجاج على شيء أو خلال الحرب بين حاكمين في أمثلة عديدة منها قتل الشاه جهان ولده بيد بوداق وصولاً إلى دخول الشاه إسماعيل الصفوي بغداد سنة 1508 إثر مذبحة كبيرة وبروز الصراع بين الصفويين والعثمانيين لسنوات طويلة ظل العراق مهداً لها وضحية من ضحاياها حيث كانت البوصلة الطائفية على وجه العموم هي أساس التنكيل والقتل والحرق أو التقريب والمحاباة لكن العثمانيين لم يوفروا من عارضهم من السنة فسحل ناصيف أغا زمن سليمان الصغير سنة 1808م.



واستمر العنف عاتياً زمن المماليك العثمانيين مثل سليمان باشا وحسن باشا وداود باشا حتى جرت مذابح الانكشاريين التي أمر بها السلطان العثماني محمود الثاني سنة 1826 لينفذ جزء منها في بغداد إثر سقوط داود باشا سنة 1831 ويروي المؤلف هنا حادثه جرت في 13 حزيران 1831 حيث نهبت عشائر عكيل والأهالي وبعض المماليك السراي وأشعلت النار فيه ودمرت موجوداته (وشوهدت النقود وأدوات الذهب والفضة والتحف النادرة مطروحة للبيع في الأزقة في الأيام التالية) ص242 وهو أمر يذكرنا بما جرى للمتحف العراقي وسواه من دور الدولة وخزائن المصارف إثر سقوط بغداد في 9 نيسان 2003.
وقف الفصل السابع عند (أحداث العنف الدموي في القرن التاسع عشر) ومن نماذجه الكثيرة التي تتكرر صورها بين حين وآخر ثورات العشائر وقمعها وانفجار الصراع الدموي داخل بغداد سنة 1832 وقيام نجيب باشا بقتل 24 ألف مواطن في كربلاء سنة 1842 واضطرابات بغداد سنة 1869م والعنف ضد الكرد والأيزيديين.
في الفصل الثامن الذي يتحدد بالقرن العشرين يعتبر المؤلف أن هذا القرن هو البديل المكافئ لكل القرون الخمسين الماضية من تاريخ العراق لغزارة أحداثه الدموية وكثافتها حيث بدأ القرن بقتل والي البصرة سنة 1904 فخري باشا أكثر من عشرين من اللصوص بوضعهم في شوالات وإغراقهم في شط العرب فسماه البصريون (أبو الكَواني) ثم جرت أحداث دموية كبيرة ومؤلمة لا تتعلق بقتل لصوص أو شقاة بل بجريان أحداث كبرى وتنفيذ جرائم ضد مجاميع بشرية وشخصيات وساسة ومن ذلك:



• ذبح سبعين إيرانياً في كربلاء في 10 تشرين الثاني 1906.
• الحرب العالمية الأولى ودخول الإنكليز أرض العراق عام 1914 والمعارك بين القوات التركية والإنكليزية على طول جبهة القتل وتكبد أهالي البصرة والكوت والعمارة وبغداد آلاف القتلى نتيجة لذلك حتى وقوع ثورة العشرين فيما بعد ومقتل عدد كبير من الثوار في النجف والكوفة وديالى والسماوة وتلعفر وبغداد والديوانية وسواها نتيجة لذلك ومن وقائع الحرب:
• قلع أبواب البيوت في خانقين من قبل الأتراك لصناعة جسر منها.
• قتل الفارين من الجنود الأتراك قرب هيت.
• نهب أموال الناس وقتل العديد منهم من قبل القوات الروسية الملكية في خانقين.
• المجاعة في الموصل وذبح مائة طفل من قبل إحدى العوائل وتوزيع لحومهم بيعاً حتى اكتشف السكان الأمر وتم إعدام الرجل والمرأة.
• مقتل وجرح نحو مائة ألف من جنود الإنكليز خلال الحرب وآلاف المواطنين.
بعد تكوين الدولة العراقية الحديثة جرت أحداث ساخنة أخرى منها:
• الشك بقتل الملك فيصل الأول مسموماً.
• انقلاب بكر صدقي وتصفية جعفر العسكري ثم قتل بكر صدقي وبعض أعوانه.
• قتل الملك غازي.
• انقلاب 1941 وإعدام الضباط القائمين عليه والسبعاوي.
• الفرهود ضد اليهود.
• مذبحة الجسر عام 1948 إثر إعلان معاهدة بورتسموث.
• مقتل الشيوعيين في سجن الكوت.
• إعدام قادة الحزب الشيوعي 1949.
• سحل الوصي عبد الإله ونوري السعيد وغيرهما إثر ثورة 14 تموز.
• أحداث الموصل ومقتل الشواف وسحله ومحكمة الدلماجة.
• أحداث كركوك عام 1959 ومقتل العديد من المواطنين وسحلهم.
• حركة شباط 1963 وقيام البعث بتصفية الشيوعيين وقتلهم وسجن أنصارهم.
• قتل البعثيين عدداً منهم عند تسلم صدام حسين السلطة عام 1979.
• الحرب العراقية الإيرانية ومقتل آلاف الضحايا.
• حرب الكويت وانتفاضة شعبان ودموية العقاب.
يأتي الفصل التاسع والأخير بعنوان (انعكاسات العنف الدموي على طبيعة المجتمع العراقي) حيث يؤشر المؤلف فيه ظاهرة التقلب من ولاء إلى ولاء والعنف في المزاج الجمعي في العراق والظمور المتكرر لدكتاتورية العقيدة الواحدة ونشوء ظاهرة السحل والتمثيل بالموتى وقسوة التنكيل بالخصوم واضطهاد المفكرين وقتل قادة التيارات الفكرية والسياسية على مدى التاريخ والتدمير الفاجع للآثار والثروات والتراث الحضاري والفني والثقافي مؤشراً ظاهرة زوال العديد من المدن العراقية ومواتها السريع كالإبراهيمية والمختارة وواسط والرماحية وحلوان وقتل مدن تاريخية أخرى مثل آشور ونينوى وبابل والحيرة والأنبار والكوفة على مر التاريخ ويورد المؤلف قائمة بالحكام الذين ماتوا قتلاً وأخرى بالحكام والمفكرين الذين سحلوا وفقرة مطولة عن تنكيل واضطهاد الشعراء وأصحاب المذاهب والمفكرين ثم يطرح سؤاله الختامي المهم "كيف يمكن أن نوقف النار المشتعله إزاء الأجيال العراقية الذاهبة والقادمة؟" مجيباً أن الديمقراطية هي السلاح الأساسي إضافة للقبول بالآخر السياسي والفكري والثقافي وذلك يتحقق بشروط:
- الاستقرار السياسي.
- الحرية الحقيقية.
- سيادة القانون والعدل.س


 


رجوع


مقالات متعلقة
لا يوجد مقالات متعلقة.

100% 75% 50% 25% 0%


 
جريدة الذاكرة

أوراق الذاكرة

  كي لا ننسى
  ذاكرة الأقاليم
  موسوعة العذاب
  افكار
  فن وأدب
  كتاب في حلقات
  وثائق

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:


 
للمشاركة في أوراق الذاكرة
يرجى الأتصال

editor@IraqMemory.org
 


 

 جميع المقالات المنشورة في الذاكرة تعبر عن رأي كتابها

enana
 


الرئيسية | من نحن | مشاريع | أخبار | ارسل وثيقة | وصلات | تبرع | اتصل بنا | English | كوردي | ارسل الى صديق 

Copyrights © 2005 - 2007,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Developed By Ali Zayni