|
الرئيس المخلوع ومصائره |
|
|
تاريخ النشر Thursday, November 16, 2006 |
|
في إطار النظام القانوني، ينتظر الرئيس العراقي المخلوع دوره لتنفيذ حكم الإعدام خلال شهر، إلا إذا قرر الاستئناف. أما في الإطار السياسي فإن التنفيذ قد يرجأ بسبب وجود قضايا قانونية اخرى لم تنته المرافعات فيها بعد.
وفي هذه الفسحة يمكن للمرء ان يتأمل معنى هذا الحدث، وآثاره، من نافذة الكاتب الدارس، أو من كوة المواطن الفرد.
بدءاً، تبدو محاكمة الرئيس، التي بدأت بُعيد القبض عليه في كانون الأول (ديسمبر) 2003، نقيضاً مباشراً لكل التراث المشرقي المعاصر القائم على حكمة ميكيافيلي: القضاء على الأمير المخلوع، ومحو آثاره، حرثاً ونسلاً. فالصراع على السلطة بغير العنف المبرم علامة ضعف، ونذير سوء للأمير الجديد (السلطة الجديدة). لا أدري من قال: السلطة عقيم لا تلد. وهي حكمة ميكيافيلية دموية بامتياز. ثمة حكمة عربية أخرى: الأمير سيف ومنسف. هذا الجمع للقوة القاهرة، بالسخاء المشبع هو التعريف التقليدي للزعامات السياسية، أو السلالات الحاكمة. ما زالت ثقافتنا السياسية في إقصاء الحاكم أو استخلافه، ميكيافيلية: التوارث في جانب الاستمرار، والمحق التام في جانب الإقصاء. من هنا تبدو محاكمة الرئيس المخلوع، في نظر جل العراقيين اجراءات نافلة، لا هم لها سوى إرجاء المحتوم، أو لدى أهل الريبة فتح الباب لمساومات قد تنتهي بالعفو عنه أو إخراجه من البلاد، وما الى ذلك.
ولا يبدو العالم العربي معنياً كثيراً بالتفاصيل الحقوقية لهذه المحاكمة. فهو، ان حكمنا على الأمور مما يكتبه المثقفون والإعلاميون من تعليقات، يرى الى وقائع المحاكمة من خرم المؤامرة. وعلى رغم ان جل البنى السياسية في العالم العربي تفتقر الى الشرعية، فإن الاتهام الأكبر الموجه الى المحكمة العراقية هو افتقاد الشرعية.
خارج إطار الميكيافيلية فإن ردود فعل الخصوم والأصدقاء متضاربة كما هو متوقع. ايران، مثلاً، ترى ان «هذا» هو «أقل ما يستحقه» الرئيس الخلوع. لم أفهم تعبير «أقل ما يستحقه»، فالإعدام هو العقوبة القصوى.
وبدا الرئيس الأميركي جورج بوش سعيداً بالحكم، ولعله كان يأمل ان يسعفه ذلك في الانتخابات النصفية.
اما انصار الرئيس فيطالبون بمحكمة دولية، أي امبريالية، لأنهم لا يثقون بالمحكمة العراقية أي الوطنية، خلافاً لبعض اللبنانيين الذين يرفضون المحكمة الدولية (الامبريالية) ويطالبون بمحكمة لبنانية أي وطنية.
ماذا كان انصار الرئيس المهزوم سيقولون لو ان زعيمهم نزل ضيفاً في زنزانة حليفه السابق سلوبودان ميلوسوفيتش في لاهاي؟ لعلهم كانوا سيرفعون عقيرتهم بالصراخ عن المؤامرة الإمبريالية. ولن يجدوا في النهاية من منفذ سوى المطالبة اخيراً بمحاكمة «عشائرية» في تكريت لا أقول ذلك سخرية، فقد سمعت هذا القول من بعض أنصاره، وأنا أورده من باب الأمانة.
ما النتائج السياسية المترتبة على الإعدام والحكم؟ كثيرة، يصعب حصرها. فأولاً سيخرج رئيس الوزراء الحالي، الضعيف بسبب انقسام وزارته قوياً بفعل إقدامه على قرار صعب من هذا النوع. ومن شأن هذا العامل ان يعزز زعامته، ويمكن له، اذا ما قرر اغتنام هذه الفرصة السانحة، ان يتحرك بجرأة أكبر، بعيداً من المناشدات الكلامية، لحل الميليشيات، كيما يعزز الوجود العسكري – القانوني للدولة بمواجهة الاحتمالات الأكيدة لتصاعد العنف، وبالطبع فإن حل الميليشيات لا بد ان يندرج في إطار عملية معقدة تشمل ربط المصالحة الوطنية، بلجم الميليشيات، واستخدام قوة الدولة لوقف العنف المذهبي، الذي ينهش جسد بغداد، حاضرة التنوع، والتعدد، والمدنية. ويمكن بالطبع ان تضيع الفرصة إذا ما استمر النهج الحالي في الشكوى من الآخرين ليس إلا.
في موازاة ذلك، تبدو بقايا البعث، وبقايا القوى العائلة، التي تغذي حركة العنف وتقود أهم اقسامها، في محنة عسيرة. فمن جهة سيتعين عليها ان تحاول البرهنة على انها تستطيع الاستمرار مع أو من دون الزعيم، ولعل هذا سيغذي الميل الى زيادة الأعمال الانتقامية. كما ان القوى الأخرى التي تنافس البعث على زعامة حركة العنف ستجد هذا الوضع سانحاً لإضعاف الغريم - الحليف، من هنا امكان احتدام الصراع الداخلي على الدور القيادي.
قبل ذلك يحاول الرئيس المخلوع لبس لبوس القائد الكبير، راعي الوحدة والمسامح الكريم، حتى لأعدائه. بدا في قفص الاتهام مثل تلميذ مدرسة مشاكس وهو يرفض الوقوف للاستماع الى النطق بالحكم. ولما فرغ من هذه المماحكة لبس لبوس الرجل الورع، التقي، بحمله المصحف الكريم باليد اليسرى (التي يتطير منها المتطيرون من الوسواس الخناس)، وبعد النطق بالحكم انتقل الى دور قائد التظاهرات، هتافاً وشعارات. وأخيراً دعا الشعب الى نبذ الفرقة المذهبية التي زرعها باحتكاره المدمر للسلطة، وأذكاها بعمليات أنصاره الموجهة الى الرموز الدينية. ان الوقوف على تاريخ التمزيق المنظم للنسيج المدني الذي أحدثته هذه الزعامة البائسة يتطلب مجدلات. اخيراً دعا «انصاره» الى الإحجام عن الثأر من الأميركان.
قد يبدو هذا القول بمثابة حكمة واعية، تتجاوز الأحقاد السياسية، والعداوات الإيديولوجية التي دأب القاتل على زرعها وترويجها على امتداد حياته السياسية ويعرف أبسط المتتبعين لسيرة الديكتاتور انه غضوب، حقود، رياب، منتقم، وقاس الى ابعد حدود القسوة.
كيف يحصل مثل هذا الانقلاب؟ الديكتاتور كائن نرجسي، يحب صوره الى حد الوله. مرة كتب الشاعر العراقي فاضل العزاوي قصيدة عن ديكتاتور لديه ألف تمثال، يمسح تماثيله ويزيل عنها الغبار، ويبكي حباً بها، ويودعها كل ليلة قبل ان ينام. هذا الكائن الشغوف بذاته مثل طفل فرويد في المرحلة الشرجية، يحاول من الآن ان يرسم صورته كما يريد لها ان تُرى في المستقبل. وهو يتلبس ادواراً جديدة، مثلما تتلبس السوي انقسامات الشيزوفرينيا، في شخصياته المتعددة.
هل تحوي فكرة «التسامح» و»العفو» و»الغفران» عن العدو الأميركي بذرة صفاء روحي هبط بمعجزة على هذا الكائن؟ أشك في ذلك. الرئيس المخلوع يبدو في هذا الدور، أقرب الى توصيف سارتر لجان جينيه: هزلياً وشهيداً، ممثلاً وقديساً. إنها مسرحية حافزها الرعب امام الموت، ولحمتها الانتشاء بثوب جديد امام الكاميرا، وسداها امل لاواعي بأن يرد الأميركان على بادرته بمنع الأذى عنهم، ببادرة احسن منها. وقد يكون غير ذلك. من يدري.
شخصياً لم أعد أكترث لمآله. لم يعد يهمني ان أراه متدلياً من حبل مشنقة. فبعد هذا الإقصاء المديد عن الوطن وجدت نفسي عند نقطة لم يعد لإنزال الموت بأحد، كائناً من كان، قيمة فضلى على الإطلاق، لم أعد أقبل بالعنف حتى لو كان مشروعاً. يمكن ترك الرئيس في زنزانة حتى تفرغ منه احكام الطبيعة. لقد فقدت كثرة من اصدقائي، كما فقدت اثنين من افراد عائلتي، بسببه. لكنني لم أعد أتوق الى إعدامه. فأنا أزدريه ليس إلا.
لم أعد أشتهي على غرار بابلو نيرودا ان أنهش أحشاء الديكتاتور (فرانكو أو صدام) الذي قضى على أقراني. ما عدت أتمنى تمزيق أحد، أو حتى ورقة. دورة العنف هذه، يجب ان تصل خاتمتها. انا المواطن، الفرد، يحق لي هذا الخيار. ليقبل من يقبل، وليرفض من يرفض.
عن " الحياة " |
رجوع
| مقالات متعلقة |
|
لا يوجد مقالات متعلقة.
|
|
|
|
|
|
|
|
جريدة الذاكرة
انضموا الى
قائمتنا البريدية
| |
|
جميع المقالات المنشورة في الذاكرة
تعبر عن رأي كتابها |
|
|