مصادر الكتابة الجديدة، شهادة عن زمن الدكتاتور
12/27/2005


إن التجديد.. هو تمرد فصامي ليس في الأفكار الشعرية المتجسدة داخل القصيدة فقط، وإنما هو رفض لبنية ونشاط المجتمع السائد.. إنه رفض لكل النفايات التي تحيط بالإنسان، ولهذا دائماً أسأل نفسي:ماذا أفعل في هذه المقبرة؟هل أحفر لي قبراً بحجم الكرة الأرضية وأبصق فيه؟الخوف بأذرع وأقدام وأسلحة يتسلل إلى أعضائنا، قبل ليلة فقط، سقط أكثر من رجل ملطخاً بدمائه، ليس في ساحة المعركة ولكن بجوار منازلنا، حتى الأطفال لم يسألوا عن الحلوى يحتضنون آباءهم والآباء لا ينامون إلا بالأقراص المنومة. ليس لي أصدقاء، ولهذا أمارس العزلة المتوحشة. أحياناً أتقصد أن أصرخ بوجه أمي عندما لا أجد قلمي أو أعثر على أوراقي ممزقة بأيدي أولاد شقيقاتي. أعمل معركة داخل المنزل، أتهم أبي بالشيزوفرينيا وأمي بعدم مراعاة حقوق الإنسان. كم كان بودي أن أخرج ولكنها الساعة الواحدة بعد منتصف الليل والتجوال ممنوع. أشاهد رجالاً يهرولون في الطرقات، من هؤلاء ومع من لا أعلم. أرمي ابتسامتي بعيداً وأنظر من ثقب في جدار منزلنا، أشاهد أشياء مرعبة ولكنني سأقول:لم أر شيئاً لأنني لا أمتلك عينيّ. بعد هذه الليالي التي طرز الرصاص بها سماءنا. ماذا ستفعل الأسلحة بالأعناق؟ أين سيهرب الأولاد؟أكثر من مرة أنفخ بكلماتي فتتساقط مثل طائرات ورقية. سألني أبي في الليلة التالية: ماذا تعني بالشيزوفرينيا؟. كذبت عليه هذه المرة وأخبرته بأنها تعني؛ مربي الكلاب. أمي لاعلاقة لها بهذه الأمور، مشغولة بتربية الدجاج، إنه عمرنا المحاصر الجائع الذي يهرول مثل كلاب خلف القافلة.عمرنا المجنون بالحياة والباحث عن نوافذ خشبية لا يخترقها الرصاص، يقف كشجرة وينزف أحلامنا تشبه أسوداً مجنونة.إنها ليالٍ قصيرة ولكنها بحجم السماء وبقوة النار. يظهر الصباح ولم نشاهد أجسادنا، إنها بخار يتشكل في لحظة الألم أو شموع تنزف دماً في الحدائق.الفوضى تحيط بي وأنا أجلس في مقبرة. أجساد مثل كهوف وكلمات باردة. فلاحون بسطاء يتجولون حولي. كلما جلست في دكان أبي شاهدت حشداً من النساء قبالتي، نساء بوجوه محروقة وثياب سود يندبن حظوظهن ويتحدثن بسرية عن الرجال، نساء من قير، لهن أصوات رجال ويمنحن ظهورهن للنهر. قبل أيام أنجبت إحداهن طفلاً برأس فقط، بأكثر من عشرين عين. وأخرى لم تنجب منذ زواجها وبعد عشرة أعوام حملت، وعند الولادة لم يعثروا على جنين وإنما شبكة ليفية بحجم رضيع.إنها الكوارث التي لم نعتد عليها في هذا الكوكب.قبل أيام أتى رجل يحمل رجلاً آخر في حضنه، بمنكبين عريضين وشارب كث، له أقدام صغيرة كأقدام حشرة. أما أشد الكوارث فهي عثوري على رجل بلا أقدام يجلس على كرسي متحرك يباع في مزاد علني من أجل الاستجداء به، واكتشاف أحد أصدقائي لأصابع أطفال مشوية مع وجبة لحوم في أحد المطاعم ليقفل بعدها لتقديمه اللحم البشري للزبائن بعد أن عثرت الجهات المختصة على أكثر من رأس طفل في غرفة نفاياته. الذين بجواري لا يموتون بسهولة ولا يفكرون بسهولة أيضاً.. سنابلهم فارغة وأنهارهم مغلقة، من جديد يرتدون ثياب البداوة. يمنعون أطفالهم من الذهاب إلى المدرسة، يزوجون بناتهم لرجال بجيوب منتفخة، يحترمون المخيف والرجل المثالي هو الذي يسرق ويرتكب المحارم. لم أفكر يوماً كالفلاسفة ولكن كنت أفكر مثل المجانين. أخفي قدمي في التراب وأقول: لماذا لا نسير على أفواهنا مادمنا نحارب بجيوب مثقوبة؟ وتمضي السنوات عاطلين عن العمل. أتذكر غريغوري كورسو وهو يقول:عندما أتزوج هل أكون آدمياً. أتذكر المسيح وهو يقول:الزراع هو من يزرع الكلمة.بماذا سينفعني الحارس وهو يطلق صافرته عند الغروب وينام في الثامنة ليلاً؟ ماذا أفعل بالحب وأنا مطوق بالخرائب والأنهار الميتة؟ ماذا أفعل بأنفي وسماؤنا ملوثة بغازات ومخلفات إشعاعات نووية؟ أمراض السرطان والربو والحساسية والعقم الجنسي، لقد أحصى أحد مستشفيات الجنوب وخلال عام واحد أكثر من 2000عملية قلع للرحم نتيجة لإصابات سرطانية.الأدوية يسرقها الأطباء لتباع في السوق السوداء وعلى الرغم من ذلك فالطائرات الأمريكية مستمرة بالقصف. الجهات محاصرة وأنا أتمنى لو انطلق بمركبة فضائية .

لم تعد لي رغبة بالعيش على هذا الكوكب، وساعي البريد يستفزني كلما سلمني رسائلي وهو يأخذ أجورها مضاعفة. النهار مثل رقبة بعير يحمل رائحة أخوتنا الذين يحترقون في كل لحظة وتذبل أشجارهم في مستنقعات آسنة، لا أحد يشاهد العصافير،الكلاب وحدها تنبح، فكيف لنا أن نمرر أيامنا الجريحة إلى المتاحف وهي ما زالت تنزف خوذاً وأعضاءً مبتورة، تنزف ثياباً مملوءة بالثقوب، صاخبة بالصراخ تاركة الروائح والذكريات تتساقط كأجنحة مزقتها العواصف. ألملم خطواتي مثل عظام في طريقها للاحتراق. أشاهد غيوماً سودا تدخل غرفتي، تلتصق بالجدران، تأكلها فتفاجأ بماركيز وبيكت،همنغواي وبندقيته،بيكاسو والجرنيكا، قصيدة الحرب وصورة لجاك بريفر وبورتريت لرامبو ولوحة المسيح بعد الصلب وصورة كبيرة للإمام الحسين..أتطلع في الغرفة الممليئة برائحة الموت والحروب، برائحة الحصار المرير كرائحة الروث.إنها حياتي التي تنتشر عليها هذه الأفكار الوقحة والجريحة.من أحشاء هذه الأشياء.. من دمائها أعثر على مصادر الكتابة الجديدة المتمردة.
 


 

Copyrights © 2005,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Powered By ENANA.COM