سيرة مدينة، مدينة الثورة حلم ببيت من حجر ج1
12/27/2005


قبل التأسيس:
من طينة القهر خلقت هذه المدينة،كانوا يافعين حينما امتطوا سجادة “لا” مثنويات محبة من ذكر وأنثى، ضربة واحدة كانت كافية لانطلاق السجادة باتجاه العاصمة بغداد، حينما حلقوا بسجادتهم عيونهم كانت ملأى بحسرات مخنوقة، يقينا أنها وداعات، وداعا للهور، وداعا لطيور الماء، وداعا للبني والشبوط، وداعا للجنوب.
حطوا في العاصمة بغداد وبنوا لهم “صرايف” ، قالوا انها بيوت، تلك البيوت صارت مدينة اطلقوا عليها اسم “العاصمة”، (لعلها محاكاة ساخرة للعاصمة الاصل). بمجيئهم صارت لبغداد عاصمتان،عاصمة البغداديين، وعاصمة الجنوبيين التي اقحمت قسرا.
حينما طار الجنوبيون بسجادتهم لم يحملوا معهم حياتهم، بل حملوا ما يشير اليها، طبك، كوز (عمي ابو حمدان ما زالت للان معه فالة، وحين تفتح موضوعا حولها سيتذكر بحسرة فالته العزيزة التي غرزها في خطم خنزير فر هاربا بها في اهوار الجنوب)، العاب اطفالهم ستكون اشارات تومىء الى حياتهم، الكعاب، عظم الضاع،...
البغداديون أسموهم “شروك” فيما بعد سيكتشف الجنوبيون سرا عن اهل بغداد، سيتداولونه في صرايفهم “ اهل مرق الاصفر”.
قسم كبير من مناطق العاصمة بغداد ستكون محرمة على الجنوبيين، لان اهالي تلك المناطق ظنوا بأن هؤلاء الشروك جراثيم ستسمم الهواء الذي سيصطدم بهم (لذا كانوا يرموننا بالحجارة من فوق السطوح محاولين بهذه الطريقة أبعادنا كما الكلاب السائبة)،.
الجنوبيون عاشوا في الحدود الفاصلة بين العاصمتين وهم يتسولون الفرص من العاصمة الاصل (بائعو لبن، بائعو مكانس من خوص، عمال مجازر، عمال بناء)، ولا شيء ينتظرهم في الصريفة سوى المرض والجوع وحلم ببيت من حجر.
لم يفكر الجنوبيون بالعودة الى جنوبهم، لانهم كما قالوا، قد احرقوا سفنهم، آخرون قالوا، لقد احرقت سفننا.
الجنوبيون التقطتهم معامل السكائر، السكك، الزيوت، وهنالك وجه الوعي (مدرسة قرب معمل السكائر اظنها الجعفرية قدموا لهم اسئلة صعبة في الامتحانات، اقام الطلاب اضرابا في مدرستهم احتجاجا على الاسئلة، نحن في المعمل اقمنا اضرابا تضامنا مع الطلاب، مع العلم أننا لم يكن لنا ابناء في المدارس بعد، كلهم ابناء البغداديين).

الوعي الموجه الغى مفاجأة الصدمة، لكنه لم يلغ الصدمة نفسها، لذلك ظل الحلم ببيت من حجر حلما.
جاء عبد الكريم قاسم (اتذكر كنت صغيرا، العب في الحوش، التقى عمي عبد الكريم قاسم بالسفير البريطاني، حصلت بينهم مشادة بصوت عال، بعدها صعدوا السيارة، توسلت بعمي وصعدت معهم، وهنالك قرب الصرايف ترجل عبد الكريم والسفير البريطاني، قال له عبد الكريم، انظر الىأولئك الجوعى، بريطانيا جوعت العراق ـ طالب حامد قاسم من لقاء تلفزيوني).
عندما عاد عبد الكريم قاسم الى مكتبه في وزارة الدفاع اومأ بيده، فصارت مدينة الثورة، ليتحقق حلم ببيت من حجر.
فيما بعد، اهالي مدينة الثورة سيتحدثون عن عبد الكريم قاسم بمحبة اخ او أب، وسيوصمون به، اكثر دواليبهم الخشبية، التي تسمى “محمل” أختيرت بشرط واحد، ان يكون هنالك اطار مزجج لصورة عبد الكريم قاسم، ذلك المحمل سيوضع في اكثر الاماكن ألفة وأمانا، سيوضع في غرف النوم، (زعيم الفقراء الزعيم، تعرف انه كان يقضي لياليه في مدينة الثورة، صديقه الحاج جاوي).

التأسيس
حدود المدينة تبدو كأنها حدود طبيعية، من الغرب قناة مائية أمتدت محاذية للمدينة، شقها جيش عبد الكريم قاسم وسميت “قناة الجيش” من الشرق سدة ترابية بموازاة قناة الجيش ملتوية كالأفعى، بنيت في زمن ناظم باشا العثماني، نسي الناس اسمه وظلت تسمى “السدة” القناة والسدة ذراعان قوضا احلام المدينة بالتمدد وزادا من عزلتها، ابناء مدينة الثورة تشعر كأنهم ينهلون من مرجعيات معرفية واحدة ، لا تحتاج الى علم الفراسة كي تشخصهم، اعرف واحدا من ابناء المدينة ستحدد البقية بسهولة متناهية (قبل ايام كنت احمل جهاز هاتف الثريا، وهذا الهاتف علامة من علامات الغنى والترف، احدهم نظر الي وقال، صنع في الثورة؟ اجبته نعم).
هل للبغداديين يد في اختيار ارض هذه المدينة؟، هل تآمرت العاصمة الاصل على العاصمة التي اقحمت فيها قسرا وزحزحتها بعيدا عن المركز؟. اما كان من الاسهل ان تبنى الصرايف نفسها حجرا؟ من الذي اختار هذه الارض بالتحديد؟،( لا ادري من الذي اختار، اكيد واحد من البغداديين، ولله حكمة في ذلك).
صرايف شروك العاصمة حولت فيما بعد الى حجر لمؤسسات شرطة البعث، وزارة الداخلية، كلية الشرطة، تسفيرات الداخلية، مؤسسات تفرخ شرطة للقمع، (في زمن صدام، وفي منتصف التسعينيات، قامت مجموعة من ابناء مدينة الثورة، بضرب وزارة الداخلية ومؤسساتها بالهاونات، الشرطة القت القبض عليهم وأعدموهم جميعا).
تحد المدينة من الجنوب سكة للحديد على ضفافها مقبرة لليهود وارض جرداء حول قسم منها الى شقق سكنية (في الحرب الاولى، اعلن صدام مزادا، شقة سكنية مقابل ولد)، من الشمال تحدها الثعالبة، مساحات واسعة مليئة بحكايات عن الطنطل وخطف الاطفال من الغجريين، حولت فيما بعد الى، حي أور او الطالبية..
اختيار هذه الارض المنعزلة أوجد قانونا صارما أوقف بقوة زحف الشروك باتجاه العاصمة الاصل، حتى بدت العاصمة الاصل قوة طاردة للعاصميين الشروك، المناطق التي تنتمي جغرافيا لمدينة الثورة والتي زحفت فيما بعد باتجاه العاصمة الاصل، كانت تزحف بشرط التخلي عن هويتها الشروكية، وذلك بسعة مساحة البناء وطرز البناء نفسه، الذي سيؤثر لاحقا على شكل المعيشة والعادات وغيرها، خذ المناطق التي زحفت باتجاه العاصمة الاصل والتي تنتمي جغرافيا لمدينة الثورة، مثل جميلة، حي الامانة، الحبيبية، انك حين تسأل احدهم،هل انت من مدينة الثورة ؟ يجيبك، لا، انا من جميلة، حي الامانة، الحبيبية (تلك الاجابات تكريس لفكرة عزل شروك مدينة الثورة، تلك الفكرة التي ناضلت العاصمة الاصل من اجلها)، الزحف لم يكن الى غرب المدينة، الى حيث المركز العاصمة، زحف الشروك كان الى خارج المركز، الى الشرق تحديدا الى الشرق بعد السدة ستجد لاحقا، حي طارق، حي النصر، سيبدون لك شروكيين اكثر من اهالي مدينة الثورة، بيوت متشابهة ضيقة وكثافة سكانية عالية.


خريطة المدينة الهندسية سبب اخر لعزلتها، فمدينة الثورة عبارة عن مجموعة وحدات سكنية افقية، يقدر عددها بـ (79) مجمعا سكنيا، المجمع السكني سمي “ قطاع” القطاع هو الوحدة البنائية التي تتكون منها مدينة الثورة، كل قطاع توأم سيامي لبقية القطاعات، ادرس خريطة قطاع واحد ستصل الى البيت الذي تريد في أي قطاع، فكل موقع لبيت في قطاع له نفس الموقع في كل القطاعات، مساحة البيت “ 144” مترا مربعا، كل قطاع معزول عن الاخر بشارع يسمى شارع 60، (عرضه 60 مترا). كل قطاع يحتوي على عدد من البيوت تقدر بـأكثر من (800) بيت، مصفوفة بأزقة تبدو طويلة، (تشابه المدينة بنائيا ادى الى تشابه ابنائها، تشابه ابنائها ادى الى عزلتهم، لانه عطل مهاراتهم في التقمص وتغيير الاقنعة، فصار البغداديون يشخصون بسهولة متناهية ابن مدينة الثورة، تشابه المدينة سيسهل فيما بعد مهمة رجال الشرطة في تحديد موقع العائلة “المشبوهة”).

بعد التأسيس
ولدت المدينة بسحنة ترابية وظلت تلك السحنة علامتها الفارقة الى اللابد، لا يوجد هنالك اسفلت فيها سوى سوادين امتدا كلسانين متقرحين، شارع الداخل وشارع الجوادر، المدينة سوف تزرع بسواق لا تعد، حوافها منتظمة، كأنها احدثت بمشارط حادة، تلك السواقي جرحت المدينة بعفونتها طولا وعرضا، مع ذلك كان الجنوبيون سعداء ، سعداء الى الحد الذي بنوا لبيوتهم ابوابا خلفية، ابوابا لا تطل على حديقة ولا شارع، انها ابواب لا تستخدم اطلاقا (لاتنس كنا نحن عمال بناء، وشاهدنا كيف تبنى بيوت البغداديين).
في البدء كانت مجموعة صرايف اسموها “ العاصمة” وغرزوها في خاصرة العاصمة الاصل، فيما بعد بيوت صغيرة منبعجة كعلبة صفيح لها باب خلفي، أهو استفزاز واع ام توسل اخرق بالاندماج؟ الفلاحون الذين سكنوا مدينة الثورة لم يتعرفوا بعد الى حيل المدينة ودسائسها، انهم فلاحون يسمون الاشياء بأسمائها، لعلهم كانوا يعتقدون ان واحدة من سعادات البغداديين هي الباب الخلفي) فيما بعد في بداية الثمانينيات تحديدا، اصدر صدام قرارين، قرار الحرب مع ايران وقرار فرش شوارع مدينة الثورة بالسواد (تولى المهمة سمير الشيخلي، كان كريما باذخا في فرش ارض المدينة بالسواد، حتى ان سواده امتد الى داخل البيوت، وصبغ ملابس الامهات والاخوات)، فيما بعد في زمن صدام عبدت الشوارع بالاسفلت مقابل ان تعبد جبهات قتاله الارعن بأشلاء متفحمة من ابناء مدينة الثورة، (كلهم دون سن البلوغ اسموهم “ رجال المهمات الخاصة” اولاد الكلب فجروا بهم الالغام)، فيما بعد شوارع مدينة الثورة وأزقتها عبدت كلها بالاسفلت، لكن السحنة لم تتغير، ظلت ترابية، بل ترابية جدا، والسبب في ذلك يعود الى انهم اصدروا امرا متزامنا مع الاكساء بطلاء واجهات البيوت باللون الترابي “التبني” هنالك سبب اخر احتاج لسنوات كي يختمر، هو ان عمر الاسفلت نفسه جعلوه لعمر حرب صدام الاولى ، بعد انتهاء الحرب اخذ الاسفلت يتفطر لتظهر عيون يتدفق ماؤها ترابا، ولتعود السحنة كما كانت علامتها الفارقة، آخرون قالوا انهم لا يمتلكون هذه الدقة لمساواة عمري الحرب والاسفلت (كل ما هنالك ان سمير الشيخلي سرق من المواد ما يكفي لجعل عمر الاسفلت هشا ولا يتعدى ثماني سنوات)، وتحت لعبة تبادل الامكنة، ثماني سنوات كانت زمنا كافيا لسقوط اللون الترابي من واجهات البيوت.
هل ذكرت ان سمير الشيخلي كان مشرفا على “التعبيدين”، تعبيد شوارع مدينة الثورة بالاسفلت، وتعبيد جبهات القتال باشلاء متفحمة من أبناء مدينة الثورة ، (سمير الشيخلي قائد اكبر حملة لابادة ابناء مدينة الثورة، له لقب بغدادي).

بعد التأسيس / المشهد الاخير
رغم ان اكوام مواد البناء المبعثرة على امتداد الازقة تعطي انطباعا مختلفا، الا ان البيوت قد كملت بالفعل، ولكن لحظة اراد الجنوبيون اراحة ظهورهم على الجدران، طارت السقوف، (قتل الزعيم عبد الكريم قاسم، خرجنا الى الشوارع نريد سلاحا، رجعنا خائبين، يقولون ظهر في التلفزيون جندي يبصق في وجه الزعيم وهو ميت، انا لم ار ذلك، ولا اريد ان ارى).
لحظتها، لحظة موت الزعيم، كانت كل الايديولوجيات التي زرعت في العراق لا تحبه، ما عدا ايديولوجيا الفقراء، مدينة الثورة، مدينة عبد الكريم ، خميرة الفقر نكبت بمقتل الزعيم، (اتعرف ان ابناء مدينة الثورة يبدون للغريب ابناء عائلة واحدة، اتعرف ان بمقتل الزعيم تيتمت المدينة بأجمعها، انا وليس انا فقط، لم نحلق لحانا، ولم نقرب زوجاتنا، حتى تجاوزت الايام اربعينية الزعيم).
فيما بعد، وقبلها بأقل من خمس سنوات سيولد للجنوبيين اولاد سيطلقون عليهم “كريمة وكريم”. 



 


 

Copyrights © 2005,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Powered By ENANA.COM