المثقف والفاشي وهاجس الأرشيف
1/1/2006


الفاشية مزوِّرة بالضرورة، فهي تقتات على عمليات التزوير.. إنها لن تكون ولن تستمر من غير هذه العمليات، ومقصد عملية التزوير، الأول والأخير، هو الأرشيف.. إن الأرشيف هو ما يقلق الفاشية لأنه يهددها في الصميم، يفصح عن مأزقها.. في الأرشيف هناك المدونة الخفية لمسير الفاشية الحتمي نحو نهايتها.
للفاشية نمطان من الأرشيف.. النمط الأول: يتعلق بآليات سياستها وعملها، وفيه تتحرى عن الحقائق، والدقة، فالسلطة الفاشية بحاجة إلى معلومات صحيحة عن الأفراد والمؤسسات والتجمعات كي تمارس فعلها في الواقع. فكل فرد ليس سوى إضبارة "ملف" وكذلك الأمر مع كل مؤسسة أو تجمع ـ أي كل من، وكل ما يؤثر في مجالها الحيوي ـ النمط الثاني: هو ذلك الذي يتعلق بتاريخها، بمسار فعلها الخارج عن حدود المنطق والقانون والإنسانية. ها هنا تعمل الفاشية على التزييف، تعمل كي لا تترك دليلاً ضدها يمكن أن يدينها في أي يوم. بيد أن الفاشية، من حيث تدري أو لا تدري، إنما تقوم بترك بصماتها في كل مكان تطوله يدها المخربة القاسية.. مئات وآلاف، ومئات آلاف الأدلة الدامغة التي مهما حاولت لن تستطيع دحضها، أو ردها.. الفاشية هي المجرم الذي يخفق في إخفاء آثار جريمته.. المجرم الذي يترك أدلة إدانته مع كل فعل في الواقع.. الفاشية حمقاء، لا شك.
تقوم الفاشية على عقيدة وثوقية، منظومة من الأفكار التي توشحها بالقداسة. هذه الأفكار هي مزيج من طوباوية فضفاضة، ورومانسية مبتذلة، ونواهي ومحرمات تشكل بمجملها ملامح خطاب مسطّح... خطاب يفتقر إلى حس الواقع والتاريخ، ويخلو من الأفق الإنساني، ويتصف بالعقم، لأنه ببساطة متمترس بالضد من أي مراجعة ذاتية، وانفتاح على الحياة بنبضها وحرارتها ومتغيراتها، وبالضد من النظر النقدي الذي يحلل ويفسر ويفكك، وقد يفتك بأي خطاب.. إن لغتها هي لغة قتل ودم وانتصارات.. إن بيانات انتصار الفاشية تزهو بلون الدم ورائحته.. إن الفاشية لا تستطيع أن تبني، بل أن تدمر وتقتل، فهي لا تزدهر إلاّ على جبل من أشلاء الضحايا.. الفاشية مقولة البربرية.
إن بنية الفاشية، تكوينها وآليات عملها ووظيفتها، تجعلها بالضرورة، وتاريخياً، تعمل عكس مصالح المجتمع، وتجبر المجتمع على العمل بالضد من مصالحه. والفاشية نظام شمولي بطبيعة الحال، وفي كل فكر شمولي هناك بعد فاشي، فالشمولية والفاشية كلاهما تنبذ الآخر المختلف، ليس لأنها لا تطيقه فحسب، وإنما تسعى لتدميره وقتله. والشمولية والفاشية كلاهما ترى نفسها مكتفية بذاتها، كاملة، ومن حقها أن تغتصب العالم.. إن العالم بالنسبة لها موضوع اغتصاب، لا غير.
إن الفاشية نظام صارم، أعمى، يفتقر إلى المرونة، وإلى الحس الإنساني. فالفاشية‘ على سبيل المثال، عاجزة عن إشاعة الحب.. إن الفاشيين أنفسهم يفشلون في حب بعضهم بعضاً، فالفاشية لا تزدهر إلاّ على خلفية واسعة وعميقة من الكراهية. إن ما تطلبه الفاشية من الآخرين هو الولاء والطاعة من غير مناقشة أو مساءلة.. إن مجرد السؤال يجعل المرء في موقع العدو لها. ومن هنا، ينبثق عداء الفاشية للثقافة بعدِّها مساءلة ونقد وقراءة للمسكوت عنه، وللمثقفين أولئك الذين ينبشون في الجرح، ويدققون في التفاصيل، ويسألون عن السبب والكيفية والهدف، ويفكرون في الاحتمالات، أي بعبارة إدوارد سعيد يعكرون الصفو العام، وبعبارة جان بول سارتر يدسون أنوفهم فيما لا يعنيهم.
يلتقي المثقف مع الفاشي في نقطة واحدة وهي أن الاثنين تشغلهما قضية المعنى، غير أنهما سرعان ما يفترقان بعد ذلك. فالفاشي يسفّه المعنى، يدفعه إلى العتمة، يحرِّفه عن موضعه، يشوهه، لأنه ببساطة يخشاه.أما المثقف فهو على العكس يبحث عن المعنى، يخرجه إلى النور، ويحتفي به. والمعركة بين المثقف والفاشي لا تنتهي إلاّ بتصفية أحدهما. فإذا ما تواطأ المثقف مع الفاشي فهذا يعني أنه انسلخ من هويته "مثقفاً" أما إذا اتفق الفاشي مع المثقف فإنه، في هذه الحالة، لن يعود فاشياً.
تعلن الفاشية عن نفسها بوساطة مجموعة رموز لتترك صورة لها تريدها في الأذهان.. رموز تفصح عن مضمون وجودها الثقافي، أو "ضد الثقافي" إذا ما قرأنا الثقافي بعدِّه الموازي والمناظر والمتعاشق مع الإنساني والحضاري. وهنا تستعين الفاشية بالميتافيزيقيا لتكوين مسردها الخاص. غير أنها، في أحايين شتى تستعير بعض أعضاء الجسد الإنساني، أو الحيواني، أو كلية هذا الجسد لتشحنها ببعد رمزي يحيل إلى القوة والغلبة والفتك بالآخر "الذئب، الأسد، النسر، الصقر، الذراع القوية الماسكة بالسيف، الفارس على فرسه شاهراً رمحه".
تعود الفاشية دوماً إلى ماض متخيل يدعم ويسوّغ حضورها وإيديولوجيتها في الحاضر.. ماض أعيد صياغته بالتساوق مع ضرورات الحاضر، ومع اتجاهات الفاشية ورؤاها للمستقبل. وهنا تؤدي وظيفة ثقافية أو "ضد ثقافية" أي تعمل لتزييف الأرشيف. لا أرشيفها الخاص وحسب، بل أرشيف المجتمع والأمة، والعالم أيضاً.. يلعب الرمز حينئذ دوراً مموهاً، فهي تلفق دلالة أسطورية مزيفة، لدال مغتصب.
أرشيف الفاشية مسرد مفبرك، في الغالب، بطريقة غير كفوءة، لحياة مطعونة في الصميم، مسلوبة منها نكهتها.. مسرد مملوء بالثغرات، لأنه يلوي عنق الوقائع ويحرِّفها قسراً.. مسرد هو نسخة مزورة عمّا حدث حقيقةً.. إن التزوير يحدث بشكل مفضوح، غير مبدع. فالفاشية غريبة تماماً عن روح الإبداع.
إذن، من جانب آخر، ثمة أرشيفان تصنعهما الفاشية، واحد مزور تجدُّ الفاشية في إبرازه، وهو مفضوح إلى حد بعيد. وآخر حقيقي، تسعى الفاشية لمواراته ودفنه وحرقه من دون جدوى. والأخير هو ما يهمنا فهو مروية مؤسية لسيناريوهات الخراب، لصناعة الأزمات والحروب، للقتل الجماعي، للرعب المستديم، لجلجلة المعذبين، وأنينهم في هذا الوادي الغارق بالدموع.
من قال إن الفاشية لا تكترث بالتاريخ، على العكس وإلاّ لماذا هذا الانهماك المفرط في التزوير؟.. الفاشية مهووسة بالتاريخ، لا لأنها تعدّه سنداً بل لأنها تخشاه.. التاريخ فوبيا الفاشية، وسواسها القهري، ولهذا تتمنى الفاشية لو لم تكن هناك ذاكرة، لو لم يكن هناك أرشيف وتاريخ.
لا أحد يتحدث عن التاريخ بقدر ما يتحدث عنه الفاشيون. فالفاشيون يحرِّفون كلم التاريخ عن مواضعه كي يسوّغ وجودهم الخطأ في الزمان والمكان، ويدونون، ثم يعيدون تدوين تاريخهم ليخدعوا به من لا يُخدع.. أي المستقبل.
الجزء السري من الممارسة الفاشية يكاد يكون أوسع من الجزء العلني، الظاهر، منها. وذلك الجزء السري لا يُفصح عنه في الخطاب السياسي والإعلامي الفاشي، بل على العكس، فإن الفاشية تضمر غير ما تعلن.. إن طبيعتها المخادعة المضللة تجعلها في لجة هذا التناقض العجيب الذي تتعايش معه وكأنه من طبيعة الأشياء.. إن أرشيفاً سرياً يتكون للفاشية، على الرغم من عملها لحرق مثل هذا الأرشيف. وفي مقابل هذا الأرشيف يكوّن ضحايا الفاشية أرشيفهم الخاص الذي يعكس صورة الفاشية على حقيقتها.
إن الفاشية لا تريد إطلاقاً أن تكون لها صورة حقيقية. ومن يصنع هذه الصورة هم من وضعتهم أقدارهم تحت حكم الفاشية، أو في مناخها الثقافي والاجتماعي. ففي ظل الفاشية يعيش الإنسان، ولا سيما المثقف، إحساس المنفى حتى وإن كان في وطنه وبيته، فالفاشية أكثر من غيرها تخلق مناخ الاغتراب ممزوجاً بمناخ الخوف. والمنفى الداخلي يكون، لهذا السبب ألعن وأبشع من المنفى الخارجي. ذلك أن التهديد يكون مباشراً، والرعب معمماً.. المنفي في الخارج يقتات على الذكريات.. إن ذاكرته تكون عامرة وحادة فيما نجد أن الفاشية تسعى لوضع منفي الداخل في إطار لحظته الآنية فقط، لتفتك بذاكرته. والمنفيون في الداخل غالباً ما يعانون من ضغوطات نفسية أشد وطأة من تلك التي يعانيها منفيو الخارج. لكن ذاكرتهم من المستحيل، تخريبها بالكامل. فهم يتشبثون بذاكرتهم أبداً، ويحتفظون بحرص، بأرشيف للفاشية، وبذا فإن الفاشية لا تستطيع قط تجنب الفضيحة في نهاية المطاف. وأولئك الضحايا الذين يُقسرون على إخفاء أفكارهم ومشاعرهم الحقيقية، ويضمرون غير ما يعلنون ستكون لهم الكلمة الأخيرة. فذلك التناقض، على الرغم مما يتركه من آثار نفسية واجتماعية لا بد أن يحفر في بنية الفاشية ذاتها.

* * *

والآن، ماذا نفعل بهذا الرصيد كله من التجارب والمحن؟. ماذا نفعل بهذا الأرشيف الضخم، الأرشيف/ العبء؟. ذلك هو سؤال في حقل الثقافة قبل أن يكون سؤالاً في أي حقل آخر.. إنه أرشيف موزع بفوضى تنوء به كواهلنا.. أرشيف محشور في العتمة، يعلوه الغبار.. إنه بحاجة إلى أن ينفض، وأن يخرج إلى النور. فإن نهرب من أرشيفنا معناه أن نتحمل دفع الثمن ثانية.
يشكل الأرشيف ما يشبه الغاطس من جبل جليد فرويد، والمقصود هنا اللاوعي.. إن هذا الغاطس هو الذي يشيل المرئي، ويفسر شكله وتكوينه.. الأرشيف جزء من لا وعينا الجمعي.
الفاشية هي الثقافة الضد.. الثقافة التي لا تعمل من أجل صيانة الذاكرة، بل نسفها.. الثقافة التي تفترض وضع اليد على المسدس حين تطرح كلمة "الثقافة".. الثقافة التي تضع نصب عينها المحرقة كلما جرى الحديث عن الحرية والخير والحق والإنسان.. الثقافة التي لا تفقه من البعد الجمالي شيئاً.. الثقافة التي لا تتقن سوى صناعة القبيح. فالفاشية تؤمم حتى الفرح، وتسنه في قانون صارم.. إنها تقتل النزوات وتوجه الغرائز والشهوات، وتمنع البهجة إلاّ في مناسبات تختارها.. إن ما يحصل في النهاية هو السيطرة على الجسد والتحكم فيه.. إن جسدك في ظل الفاشية ليس لك.. إنه للفاشست، فأنت حينئذ مشروع احتفال شئت أم أبيت، ومشروع شغل لم تختره، ومشروع قتال في حروب لا ناقة لك فيها ولا جمل، ومشروع تضحيات لا تنتهي، من غير مقابل، ومشروع تأييد ورفض حسب الطلب، ومشروع موت على الرغم منك.
تنبت الفاشية في أرض ثقافة.. إنها لا تكون إلاّ عبر مقدمات مبدئية، أفكار وقيم بعينها تنبثق عن نسق ما، مولِّد.. الفاشية لا تولد من فراغ.
تقوم ثقافة الفاشية أولاً على صناعة الغريم/ الند/ العدو.. على صناعة الضد. فالفاشية لا تنتعش إلا في مناخ من الاحتراب.. ذلك الغريم يُرسم "شريراً" "باطلاً" و "دونياً في إنسانيته". انطلاقاً من هذه النقطة تبني الفاشية تراتبية افتراضية على صعيد العالم والمجتمع تتساوق مع عقيدتها وسياستها وأهدافها.. تراتبية تقوم على أساس العنصر أو الطائفة أو العشيرة أو المذهب أو الدين. فالهوية أو جزء مهم منها، في عرف الفاشيين، تتأتى بالوراثة.. إن ولادتك في منظورهم تحدد قدرك، وإلى الأبد، وعلى وفق هذه الفكرة تؤشر خطوط الخريطة الاجتماعية، وتوضع آليات عملها السياسي "قمع، إقصاء، تعبئة انفعالية، تضليل إعلامي، كبت حرية الفكر والإبداع.. الخ. وبالمقابل، تكوّن الفاشية مؤسسات منظمة بصرامة، قائمة على صيغة التراتبية الهرمية، ولذا فالدولة هي الحق المطلق في الفكر الفاشي، ولها ينبغي أن تتجه روح الولاء, وعلى وفق درجة الولاء، في الغالب، يتخذ الفرد موقعه الاجتماعي والسياسي، ويكاد كل فرد أن يكون جزءاً من الشبكة السرية لتلك الدولة.. إن الدولة هي التي تمثل المجتمع، لا من طريق الانتخاب والاقتراع الحر، وإنما بالفرض القسري من الأعلى.. إنك فرداً، ممثل في الدولة الفاشية.. إنها تمثلك على الرغم من إرادتك، وبصرف النظر عن قناعتك. فأنت غير مسموح لك أن تمثل نفسك، أو تختار بمحض إرادتك، من يمثلك.. إن الفاشية تعطي لنفسها الحق المطلق في أن تمثل الآخرين، وتقوِّلهم، وتسوقهم من ثم إلى الجحيم.. إن كل فعلها يصب نحو غاية واحدة، وهي تمكينها من السلطة والسيطرة.

* * *

ترى عم نبحث في ذلك الأرشيف، أرشيف الفاشية؟. عن الحدث، أم عن المعنى، أم عن العبرة والدرس، أم عن أنفسنا؟.
لن نعرف أنفسنا على حقيقتها ما لم نطّلع بعمق على أرشيف الفاشية. ففي أرشيف الفاشية، حتى المزوّر منه، نجد الخريطة السرية المعقدة لأزمتنا الاجتماعية والثقافية. وحتى في الصفحات الممحوة هناك الاعترافات المرعبة.. أطراس المدونة التي علينا قراءتها بتأنٍ وحذاقة.
تتخذ الفاشية أشكالاً وصوراً مختلفة، وتتجسد في أحزاب وهيئات وشخصيات متنوعة، قد تبدو متناقضة أو متناحرة أحياناً، لكنها جميعاً تلتقي حول فكرة واحدة هي إخضاع المجتمع وثقافته ومؤسساته إلى سلطتها، من خلال الاستحواذ على الدولة وتسييرها، بفكرة أنها الراعي والجميع قطيع.
خرجت الفاشية من بين ظهرانينا.. من خلل ما، لم نحسب خطورته في تكويننا الثقافي، من تاريخنا، أو قل من ركام تاريخنا الإشكالي.. الفاشية ليست وافدة إلينا.. قد تكون ثمة عوامل ومصالح خارجية غذّتها، لكنها الدملة التي تنبثق من نسيج الجسد، من جرثومة في هذا الجسد.. إنه الورم الذي يسعى إلى القتل وتقاومه قوة الحياة فينا، كي تقضي عليه.
ليست الفاشية ما كانت، وما صارت إليه.. إنها لا تتلخص في سلطة واحدة حكمت وانهارت، بل هي بذور ثاوية في تكوينات شتى يمكنها أن تفاجئنا ثانية إن لم نتنبه، ونستعد لها فهي موجودة في أجزاء مغفلة من تكويننا الثقافي.. هي نسق فاعل وموجِّه، لم ينكسر بعد أو يستأصل.. نسق مضمر يوّلد أفكاراً وسلوكيات واتجاهات قاتلة.. إنه النسق الذي تنبجس على إثره تلك الشتلات السامة.. تلك الأفكار التي تروج للعنصرية والطائفية وعبادة الفرد، وتهتف لمجد الألم والموت.
يجب أولاً أن نبحث في أرشيفنا القديم عن السر الكامن وراء ولادة الفاشية ( الفاشيات )، وان نبحث في أرشيف الفاشية عن سر مأزقنا القديم. وفي كلتا الحالتين لا نتغيا إلا المسكوت عنه عبر هذا الديالكتيك الصعب والضروري، مجازفين بدخول الحقل الملغوم للامفكر فيه.. الحقل الممنوع.. حقل الأسئلة المحرمة.
أرشيف الفاشية هو أرشيفنا، ملكنا، دليلنا في محكمة التاريخ.. ما تقترفه الفاشية نتحمله نحن.. ندفع ثمنه نحن، فقوانينها وقيودها تعني عبوديتنا وذلنا. وما تفعله، تفعله بنا. والأرشيف تأريخ ما أفلت من صناعة التزوير ودوِّن.. ما تخلف على الأرض من خراب، وقبور. وما ترك على الأجساد من علامات القسوة، وما ترسخ في الذاكرة من مشاهد.. أرشيف الفاشية هو عبئنا الثقافي والأخلاقي، علينا نبشه لنرى إلى أي مدى أخطأنا بحق أنفسنا، وتهاونا، وغفلنا، متيحين للفاشست الفرصة في البقاء والاستمرار أكثر مما يجب. حتى أننانقف إزاء أرشيف الفاشية، اليوم، واجمين ذاهلين؛ هل كنا نحن حقاً، طوال الوقت، موضوع تلك الجريمة النكراء.. الجريمة التي كادت تسلبنا كل شيء.. الجريمة التي لا ترقى أية عقوبة في الكون، تنفذ ضد مرتكبيها إلى مستوى تتحقق معها العدالة.
وأخيراً، يبقى مأزق الفاشية في عدم قدرتها على المضي بالتزوير إلى نهايته. والتاريخ يعلمنا أن الفاشيين يزورون بطريقة خرقاء مضحكة. ففي يوم ما، بعد أن يستكين الألم، ويندمل الجرح، وتستعيد الأشياء منطقها، ستحولهم ضحاياهم ( ضحايا الفاشست ) الباقين على قيد الحياة إلى أضحوكة، هُزأة، محل سخرية.. إلى مناسبة للترفيه عن النفس.


 

Copyrights © 2005,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Powered By ENANA.COM