الذاكرة العراقية إذ تسترد حزنها
2/5/2007


هناك في مكاتب "مؤسسة الذاكرة العراقية" أوراق حمراء ، صفراء وسوداء تصل أعدادها إلى الملايين، تعبر عن مرحلة كاملة من العنف والتنكيل والصمت في العراق. أوراق مكتوبة بخط اليد ومرقونة على الآلة الكاتبة ومختومة وموقعة من الرئيس المستبد وسكرتيره ونائبه ومستبديه الصغار داخل أروقة السجون ودهاليز الأجهزة الأمنية والإستخباراتية، أو منسوبة إلى ضحايا ومورطين بقضايا كلفت أبرياء حقوقهم في الحياة. تتجسد سيرة المراقبين والجواسيس والحزبيين والمعذِّبين ورؤساء دويلات صدام الصغيرة والضحايا والمعتقيلن بين تلك الأوراق التي يعمل عليها حسن منيمنة دون كلل، وتشغل كنعان مكية حد القلق. ذلك انها تتضمن تراثا ثقيلا ومعلومات يجهلها المواطن العراقي والعالم. إنها أوراق تكشف عن حياة أُفترضت للعراقيين من خلال ممارسة السياسة تجريباً وتوريطاً ، فدولة البعث كانت مختبراً لصناعة مجتمع مورط في ثقافة العنف حتى النخاع.

أوراق الذاكرة
إنها أوراق تتقد فيها ذاكرة مجتمع حزين وصور شرّ مبتذل اقترحته سياسة المباغتة اليومية للبعث، أوراق هي سجلّ لعقود من القسوة اللامتخيلة مورست ضد المجتمع العراقي، وللسياسة الإجرائية التي أُحتكرت وفقها جميع الوسائل التي كانت ترمي إلى نيل الاعتراف وأسباب إنصافها من قبل السلطة.

تحاول "مؤسسة الذاكرة العراقية"، منذ تأسيسها عام 1992، وضع هذه الأوراق في سياقها التاريخي بغية دراستها والاطلاع من خلالها على طبيعة الاستبداد وجذوره السياسية والثقافية والاجتماعية والأمنية في الفترة الواقعة بين 1968-2003. ويعمل موظفو المؤسسة الآن على تلك الوثائق التي تبلغ عشرات الملايين، على إعادة ترتيبها وجدولتها إلكترونياً بشكل يساعد العراقيين على الوصول إلى حقيقة ما جرى، ودمجها بالخارطة السياسية التي سوف ترتسم عليها ملامح أية هوية للبلد . ويساعد الشكل ذاته الباحثين والمهتمين بالذاكرة العراقية في توظيف تلك الوثائق في البحث التاريخي والفكري دون صعوبات تذكر.

ترجع جذور هذا المشروع إلى فترة ما بعد الانتفاضة الآذارية عام 1991 في العراق، بعدما حصل المنتفضون في كردستان العراق والجنوب على كميات كبيرة من وثائق أجهزة الأمن والاستخبارات ومنظمات حزب البعث. في شهر نوفمبر 1991 وبعد إقامة منطقة حظر الطيران فوق خط العرض 36، سافر الباحث العراقي كنعان مكية إلى كردستان العراق لرؤية أرشيف الوثائق التي حصل عليها المتفضون وكان يرافقه منتج أفلام من الــ "بي بي سي" لتصوير تحقيق عن عمليات الأنفال، وكان للمعلومات التي وفرتها تلك الوثائق الفضل الأكبر في جعل ذلك التحقيق ممكناً. وفي عام 1992 وعلى ضوء تلك الوثائق وأهمية ما تحتويه من أسرار حكم البعث، أسس كنعان مكية في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد "مشروع البحوث والتوثيق العراقي".

وفي عام 1993 تم في الولايات المتحدة الاميركية تحويل الصناديق الخشبية الأصلية للوثائق التي تم نقلها من كردستان الى 1.842 صندوقاً كارتونياً خاصاً بالخزن واحتوت على كل الوثائق الاصلية العراقية الرسمية، اضافة إلى اشرطة وخرائط وصور فوتوغرافية تشكل بمجموعها اكبر مجموعة مفردة من السجلات العراقية عُرضت على العموم. وبعد وصولها إلى الولايات المتحدة الأميركية، تم ترقيم وخزن الوثائق إلكترونيا من قبل فريق من الباحثين من وزارة الدفاع، عملوا مع منظمة مراقبة حقوق الانسان في الشرق الاوسط والمسماة "ميدل ايست ووتش"، التي أكملت عملها في خريف 1994، إذ اصدرت كتاباً بعنوان "الإبادة الجماعية في العراق وحملات الأنفال ضد الكُرد".

في 1993 قام "مشروع البحوث والتوثيق العراقي"، الموجود في مركز دراسات الشرق الاوسط في جامعة هارفرد، بتطوير خطة لتكوين أرشيف يمكن بواسطته تنظيم وحفظ تلك الوثائق وغيرها التي هي بحوزته أصلا ، لأغراض البحوث الطويلة الأمد. تم نقل المادة من كردستان الى الولايات المتحدة الاميركية – تقدر المادة بعشرة ملايين صفحة، قُيّض لها ان تشكل الجوهر لهذا الأرشيف، مستفيدا من منحة تلقاها سنة 1993 من "مؤسسة برادلي"، تبعتها منحة إضافية من "الوقف الوطني للديمقراطية". بدأ المشروع العراقي عمله في مقارنة المجموعة الصغيرة من الوثائق التي هي من الممتلكات الشخصية لمكية مع المقابلات التي تمت مع المهاجرين العراقيين.

في 21 تموز 1994 كتب السيناتور كليبورن بيل رئيس جمعية العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ إلى مكية ليعلن أن مركز دراسات الشرق الاوسط في جامعة هارفرد سوف يتسلم مجموعة من الأقراص المدمجة نسخت عليها صور من كامل مجموعة وثائق الأمن العراقي الموجودة حاليا لدى الجمعية بصورتها الرقمية. في خريف 1998، أرسلت جمعية الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ هذه الأقراص (عددها 176)... وبهذا تمكن "مشروع البحوث والتوثيق العراقي" (آي آر دي بي) من بدء صفحة جديدة من عمله.

بعد سقوط نظام صدام عام 2003 تحول "مشروع البحوث والتوثيق العراقي" إلى "مؤسسة الذاكرة العراقية" وتم تأسيس مكتبها الرئيسي إلى بغداد. وفي عام 2004 حصلت المؤسسة على موافقة الحكومة العراقية المؤقتة لتحويل ساحة الاحتفالات الرسمية في بغداد إلى متحف دائم للذاكرة العراقية بعدما كانت مكاناً لماراثونات حكومية رسمية "بعثية " ورمزاً من تلك الرموز التي فرضتها السلطة على الأمكنة وذاكرتها.

 

Copyrights © 2005,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Powered By ENANA.COM