Email This Article ...     Printer Friendly ...    
 

من انتهاكات نظام صدام للقوانين النافذة

حميد طارش الساعدي

تاريخ النشر  Thursday, December 22, 2005




تلجأ الأنظمة المستبدة أحياناً إلى طرق ملتوية في اضطهادها للأفراد تؤمن لها عدم المساس بشكل القانون لكن نظام صدام المباد خرق القوانين النافذة بشكل سافر ومن دون مراعاة لاحترام القانون حيث المادة (20) من الدستور العراقي المؤقت لسنة 1970 تنص على (أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية وجعل جلسات المحاكم علنية في الأساس والجلسات السرية استثناء ولسبب وجيه وحق الدفاع مقدس في كل مراحل التحقيق والمحاكمة، وللمواطن أن يدافع عن نفسه بالطريقه التي يراها وفي حالة امتناع المتهم عن توكيل محام له، فعلى المحكمة أن تنتدب محامياً للدفاع عن المتهم) ولم يطبق هذا النص على المتهمين لأسباب سياسية أو طائفية أو عرقية حيث كان النظام المباد يعتبر (المتهم مجرماً حتى تثبت براءته) فمن لحظة الاعتقال يعامل على أساس كونه مجرماً تمارس ضده شتى أنواع التعذيب الوحشي حتى يعترف بأنه مجرم، وعلى خلاف الحقيقة، أما المحاكمة فتجرى في محكمة خاصة تدار من قبل موظفين تابعين للأجهزة الأمنية لا يعرفون شيئاً عن إجراءات المحكمة العادلة ولا ضمانات المتهم ولا حقوق الإنسان وعادة ما تكون جلسات المحاكم سرية والاستثناء علنياً (يشمل الجنايات والجنح العادية). ولم نر أو نسمع يوماً عن محاكمة علنية لمتهم لأسباب سياسية أو طائفية أو عرقية. وألغي حق الدفاع المقدس تماماً حيث المتهم يظل مصيره مجهولاً ويلقى في زنزانات مظلمة وكثيراً ما تحدث إلينا الناجون من قمع النظام المباد عن سخرية هذه المحاكم بهم حيث تدخل قوى الأمن بصفة محامين يطالبون بإنزال أقسى العقوبات بحقهم. ونصت المادة (21) من الدستور العراقي المؤقت على: (لا تجوز العقوبة إلا على الفعل الذي يعده القانون جريمة أثناء اقترافه) ورأينا كيف سيق مئات الآلاف من أبناء العراق إلى زنزانات السجون الرهيبة ومقاصل الإعدام بتهمة الانتماء إلى أحزاب وحركات إسلامية ووطنية وكردية بينما لا يوجد قانون يعد هذا الانتماء جريمة، إضافة إلى نص الدستور في المادة (26) على: (يكفل الدستور حرية الرأي والنشر والتظاهر وتأسيس الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات) بل رأينا أن الآلاف من أبناء شعبنا الذين أصبحوا فيما بعد من ضحايا المقابر الجماعية لم يكن لديهم أي انتماء لحزب سياسي وتمت إبادتهم بسبب انتمائهم إلى طائفة أو قومية معينة. وتمثلت عمليات الإبادة الجماعية لأبناء الشعب العراقي من خلال التوسع في استخدام عقوبة الإعدام، تلك العقوبة التي هي مثار جدل ونقاش على شرعيتها (لم يحسم حتى الآن) وانقسم المجتمع الدولي ما بين الأخذ بها وإلغائها والبعض الآخر ضيق من نطاق استخدامها والآخرون منعوا تطبيقها على الجرائم السياسية لإيمانهم بـ(حرية الرأي) وأكدت المادة (6) الفقرة (2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أنه (لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاءً على أشد الجرائم الخطرة وفق التشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة وغير المخالف لأحكام هذا العهد ولاتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها) ونصت المادة (22) من قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 على: (يحل السجن المؤبد محل الإعدام في الجرائم السياسية) ونصت المادة (79) من القانون المذكور على منع الحكم بالإعدام على من كان عمره وقت ارتكاب (الجريمة) أقل من عشرين سنة سواء أكانت سياسية أم غير سياسية.
لكن الذي حصل هو انتهاك سافر للقانون فجميع ضحايا المقابر الجماعية والإعدام التعسفي كانت لأسباب سياسية والأحداث كانوا يشكلون نسبة كبيرة منهم وتمادى النظام المباد في انتهاك القانون أبعد من هذا حيث نصت المادة (291) من قانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 على: (لأقارب المحكوم عليه بالإعدام أن يزوروه في اليوم السابق على اليوم المعين لتنفيذ عقوبة الإعدام وعلى إدارة السجن إخبارهم بذلك) وتم إعدام مئات الآلاف من دون علم ذويهم بل ظل إعدامهم مجهولاً لذويهم حتى سقوط النظام حيث تمت معرفة إعدامهم من خلال وثائق أمن النظام المباد.. وأيضاً نصت المادة (292) من قانون أصول المحاكم الجزائية على: (إذا كانت ديانة المحكوم عليه بالإعدام تفرض عليه الاعتراف أو غيره من الفروض الدينية قبل الموت وجب إجراء التسهيلات اللازمة لتمكين أحد رجال الدين من مقابلته) بينما راينا إعدام العديد من المسيحيين والديانات الأخرى بتهمة الانتماء لأحزاب سياسية من دون التقيد بهذه المادة القانونية، وأكدت المادة (293) من القانون المذكور على: (تسليم جثة المحكوم عليه بالإعدام إلى أقاربه إذا طلبوا ذلك وإلا قامت إدارة السجن بدفنه على نفقة الحكومة) وهنا تم العمل بالشطر الثاني فقط، أي الدفن على نفقة الحكومة من دون علم ذوي المعدوم. وإذا انتقلنا إلى تنفيذ عقوبة الإعدام بموجب القانون فهي أما شنقاً حتى الموت، حسب قانون العقوبات العراقي، أو رمياً بالرصاص حتى الموت، حسب قانون العقوبات العسكري العراقي، لكن الذي حدث في تنفيذ هذه العقوبات لم يشهد له التاريخ مثيلاً ولم تصل إليه أبشع الأنظمة الهمجية، حيث نفذت هذه العقوبات بلغم المحكوم عليه بالإعدام بالمتفجرات وتفجيره أو إذابته في أحواض (التيزاب) أو تقطيعه بـ(الثرامة) أو رميه إلى الحيوانات المفترسة أو رميه من الطائرة على ارتفاع شاهق أو دفنه وهو حي، وكذلك عمليات القتل الجماعي بالأسلحة الكيمياوية في مجزرة حلبجة ومناطق الأهوار في الجنوب أو بالصواريخ الثقيلة والطائرات ذات الأجنحة المتحركة (السمتيات) كما حدث في انتفاضة الشعب في عام 1991 ونضيف إلى هذه الخروقات خرقاً آخر مهماً يتعلق بأسس القانون حيث أكد فقهاء القانون على وظيفة سامية للعقوبات وهي إصلاحية للجاني ورادعة للآخرين وهنا نتساءل عن هذه العقوبات القاسية أصلحت من؟ وماذا أصلحت؟ ومم ردعت الآخرين؟ وتجدر الإشارة هنا إلى مجازر الانفال التي ارتكبها النظام المباد بحق الأكراد في عام (1988) لتسفر عن تهجير مئات الآلاف وقتل الآلاف وتدمير آلاف القرى والمنازل وكذلك عمليات تجفيف الأهوار في الجنوب عن طريق إغلاق روافد دجلة والفرات التي كانت تغذيها وأسفرت هذه العمليات عن تهجير قسري وقتل جماعي للآلاف من سكانها وتدمير منازلهم، بل حتى الحيوانات لم تسلم من عمليات الإبادة، ولا ننسى أيضاً بأن قرارات الحكم الصادرة بالإعدام أو السجن كانت تنص على مصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة للمحكوم عليهم بل تم تصعيد هذا الأمر في انتفاضة عام 1999 إلى تهديم منازل المحكوم عليهم بطريقة وحشية. أما التعذيب الذي كان يسبق إصدار قرارات الحكم فكان يمثل انتهاكاً بشعاً للقوانين النافذة والمواثيق الدولية الملزمة للعراق حيث تنص المادة (22) من الدستور العراقي المؤقت لسنة 1970 على تحريم ممارسة (أي نوع من أنواع التعذيب الجسدي أو النفسي) كما منعت (القبض على أحد أو توقيفه أو حبسه أو تفتيشه إلا على وفق القانون) وأكدت (حرمة المنازل وعدم جواز دخولها أو تفتيشها إلا وفق القانون) لكن الذي حدث هو خرق هذه النصوص الدستورية حيث كان التعذيب الجسدي والنفسي وسيلة التحقيق الوحيدة التي تستخدم مع المتهم لأسباب سياسية أو طائفية أو عرقية، لا لغرض الوصول إلى الحقيقة بل لحمل المتهم على الاعتراف بالتهمة الموجهة إليه. ولم يكن التعذيب يقتصر على المتهم نفسه بل يتعداه إلى أفراد أسرته مثل زوجته أو أبنائه أو والديه لحمل المتهم على الاعتراف بالتهمة الموجهة إليه وإن كانت منافية للحقيقة. أما إلقاء القبض والحبس والتفتيش إذا كان يحدث على الشبهة في ظل أنظمة جائرة حدثنا التاريخ عنها فإنه حدث في ظل النظام المباد من دون أي مسوغ قانوني بل حدث لأجل إشاعة الخوف والرعب بين الناس بل مما زاد الأمر سوءاً أنه حدث لإشباع رغبات مزاجية. أما حرمة المنازل التي تحدثت عن قدسيتها الأديان السماوية وقواعد الأخلاق والأعراف الاجتماعية وجاءت القوانين لتجعل احترامها وصيانتها ملزمين فكانت السلطة تكسر أبوابها في ساعات متأخرة من الليل، لاعتقال الأشخاص وبطريقة مهينة بشعة أمام أفراد أسرهم. بل إن منازل الجيران لم تسلم، حيث يتم تطويقها وتسلق جدرانها وسطوحها. وخرقت أيضاً المادة (127) من القانون أصول المحاكمات الجزائية رقم 23 لسنة 1971 حيث نصت على: (لا يجوز استعمال وسيلة غير مشروعة للتأثير على المتهم للحصول على إقراره ويعد من الوسائل غير المشروعة إساءة المعاملة والتهديد بالإيذاء والإغراء والوعد والوعيد والتأثير النفسي واستعمال المخدرات والمسكرات والعقاقير) أما قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 النافذ فإنه يحرم استخدام التعذيب من جانب أي موظف رسمي، أي بمعنى آخر، جميع الموظفين الرسميين الذين قاموا بالتعذيب أو اصدروا أوامر بالتعذيب أو كان من صلاحيتهم منع التعذيب أو كان من صلاحيتهم تقديم القائمين بالتعذيب إلى المحاكمة بوصفهم مجرمين ولم يقوموا بذلك، هم مجرمون وفق القانون. ولا يمكن إعفاؤهم وفق تنظيرات اتباع البعث المقبور على قاعدة (عدم مسؤولية التابع عن أعمال متبوعة) وذلك وفقاً لقاعدة الخاص يقيد العام، ولصراحة النص على ممارسة التعذيب تعد جريمة حيث نصت المادة (333) من قانون العقوبات على: (يعاقب بالسجن أو الحبس كل موظف أو مكلف بخدمة عامة عذب أو أمر بتعذيب متهم أو شاهد أو خبير لحمله على الاعتراف بجريمة أو للإدلاء بأقوال أو معلومات بشأنها ويكون بحكم التعذيب استعمال القوة أو التهديد) ولم نر أية محاسبة قانونية للقائمين بالتعذيب من قبل النظام المباد بل جميع أشخاص النظام المباد هم مشتركون بهذه الجريمة القذرة.
 


رجوع


مقالات متعلقة
لا يوجد مقالات متعلقة.

100% 75% 50% 25% 0%


 
جريدة الذاكرة

أوراق الذاكرة

  كي لا ننسى
  ذاكرة الأقاليم
  موسوعة العذاب
  افكار
  فن وأدب
  كتاب في حلقات
  وثائق

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:


 
للمشاركة في أوراق الذاكرة
يرجى الأتصال

editor@IraqMemory.org
 


 

 جميع المقالات المنشورة في الذاكرة تعبر عن رأي كتابها

enana
 


الرئيسية | من نحن | مشاريع | أخبار | ارسل وثيقة | وصلات | تبرع | اتصل بنا | English | كوردي | ارسل الى صديق 

Copyrights © 2005 - 2007,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Developed By Ali Zayni