Email This Article ...     Printer Friendly ...    
 

مخلوقون من صمت...المثقفون العرب وسلطة الطغيان

عبد الستار جبر

تاريخ النشر  Thursday, December 22, 2005




"تنمو القسوة وتزدهر في الظلمة"، وليست الظلمة سوى الصمت، ومع تطبيع الصمت في المجتمع تتفاقم القسوة لتصبح "اعتيادية" ومقبولة، حتى لدى ذلك الوسط الذي يفترض ان يكون الاشد حساسية للمعايير الاخلاقية، والمدافع عن الحقوق والحريات، والشاجب والمستنكر لللانتهاكات التي تتعرض لها على اقل تقدير، او ليس من المخزي اذن ان يتبنى هذا الوسط خيار الصمت موقفا له ازاء ما يشهده العالم العربي من اختراقات سافرة لحقوق الانسان. لأجل تعرية هذا الموقف وادانته كان كتاب "القسوة والصمت" لكنعان مكية (سمير الخليل سابقا)، خصوصا لأولئك المقيمين في الغرب من هذا الوسط، متخذا من حرب الخليج الثانية اثر اجتياح الكويت وما اعقبها من قمع لانتفاضة العراقيين من قبل نظام صدام المخلوع، حدثا مركزيا لكشف مدى الافلاس الاخلاقي الذي وصل اليه المثقفون العرب، هذا الوسط الذي عجز عن طرح خطاب انساني ديمقراطي موحد، وقدموا خطابا بديلا هو خطاب الصمت، وكأنهم "مخلوقون من هذا الصمت"، الذي اصبح سياسة التزام حيال تفاقم القسوة داخل العالم العربي، والمسؤولة عن "الانهيار الاخلاقي العربي الذي بلغ الان دركا وبائيا".

جدلية القسوة والصمت

يقول مكية ان "حساسية حقوق الانسان العربية اليوم تتخلف الى ما وراء اجزاء اخرى من العالم النامي مثل الهند واميركا اللاتينية"، بسبب القسوة التي امست في كل مكان من العالم العربي هي القانون. وبوجود انتلجنسيا (ان كان ثمة انتلجنسيا؟!) لا تملك مطلقا نقدا ليبراليا او نقدا متمحورا حول الحقوق، او ادانة لأشكال القسوة المؤسساتية التي انتشرت وتفاقمت باتجاه اعمال الابادة الجماعية، كما في لبنان وسوريا والعراق، في سنوات السبعينيات والثمانينيات حصرا، عاشت كل بلدان المشرق تجارب الحروب، والصراعات الاهلية، والاحتلالات، واشكال العقاب الجماعي، والمنظمات المليشياوية المسلحة، والعمليات الارهابية، والانتفاضات، والترحيل الجماعي. فثمة مجلدات كبيرة تنتظر ان تكتب بشأن قصص القسوة هناك، وما رافقها من صمت المثقفين العرب خاصة.
ثمة علاقة تلازم على ما يبدو بين القسوة والصمت في المشرق العربي، يشكلان علامة بارزة على التخلف الحضاري الذي يعيشه في ظل انظمة استبدادية، فقد اصبح الخوف ممزوجا بحس الانكار وسيلة سهلة ومعتادة للتهرب من الامور والمسؤولية، "عندها لا يعود من الواجب ان يشعروا انهم مسؤولون عما جرى"، كما يحلل مكية هذه النتيجة التي آل اليها الحال هناك، فالتعذيب يمارس بشكل روتيني يومي في مراكز الاعتقال والسجون، حتى اصبح بمثابة قاعدة، بل ان القسوة السياسية تمتد جذورها في اساليب التربية الاسرية القائمة على قمع الحرية والاراء.
يتساءل مكية: "هل كان في امكان الدولة العراقية ان تقتل تلك الاعداد الكبيرة من الكورد طوال الثمانينيات، لو لم يكن قد تشكل في معظم بلدان المشرق مناخ عميق التجذر من انعدام الحساسية؟". لقد اصبح التكيف المتزايد مع القسوة والوحشية خطيرا كالوحشية ذاتها، مع تفاقم منطق العنف الذي تصاعد لولبيا في الشرق الاوسط خلال السنوات الماضية، وفسح المجال امام القسوة لا لأن تصنع الصمت فقط بل الانحراف والمرض الاخلاقي كذلك. والا كيف لنا ان نفهم سلوك شخصية مثل "عزيز صالح احمد" الذي عثر على بطاقته الشخصية في مديرية الأمن العام في السليمانية، بعد ان سقطت بيد قوات "البيشمركة" الكوردية، ان نشاطه أو واجبه الأمني هو "الاعتداء على شرف النساء" كما هو مدون فيها، اي ان وظيفته كان مغتصبا للنساء الكورديات. يؤكد مكية ان الصمت هو الذي ابتكر الاغتصاب الرسمي داخل العراق، وكأنه يشير الى ان الصمت ليس متواطئا مع القسوة والوحشية فقط بل هو المفعل لها. كما ان اشكال التعصب القومي والطائفي خلقت العديد من امثال "عزيز" من الرجال المنحرفين في الشرق الاوسط، ولا يمكن ان يتقلص او ينحسر هذا النوع من القسوة برأي مكية الا عندما يفسخ "العقد الرهيب ما بين التقاليد والحداثة داخل المجتمع العربي بالذات"، وعندما نصبح اكثر ادراكا ووعيا للقسوة ومظاهر تجلياتها السوسيولوجية والثقافية والسياسية. وليس غريبا ان نكتشف بان "لغة حقوق الانسان ولغة القومية العربية او الاسلام السياسي اصبحتا متضاربتين تماما" كما يؤكد مكية. وليس الصمت سوى المعادل الموضوعي والايدلوجي لهذا التضارب، واذا كان الصمت في جوهره هو "لغة النرجسية الداخلية الساعية على الدوام الى اختصار العالم واحالته الى تأملات ذاتية"، فانه في العالم العربي يمثل طريقة في الكلام والكتابة والتفكير، تسهم في اطفاء الاضواء والاصوات، لتتستر على القسوة وتعتم عليها.

غياب الانتلجنسيا وازمة المثقفين العرب

في اوقات الازمات التي تمر بها المجتمعات، ينبثق الجدل حول دور المثقفين ومواقفهم. في تاريخ الفكر الغربي الحديث تعد قضية "درايفوس"، نموذجا لسلوك المثقف في مواجهة "طغيان السلطة أو سلطة الطغيان"، حتى اصبحت له شهادة ميلاد. انه وليد قضية اجتماعية وسياسية شهيرة عرفت في تاريخ فرنسا القريب باسم قضية درايفوس، وهو ضابط فرنسي من اصل يهودي برتية قبطان، اتهم بتسريب معلومات عسكرية الى المانيا عام 1894. جرت محاكمته في غياب ادلة كافية تثبت تورطه، وفي ظل مناخ معاد لليهودية (السامية)، كان سائدا في النصف الثاني من القرن 19 في فرنسا، مما اشعل فتيل جدل محتدم في الحياة الاجتماعية والسياسية لمدة تزيد على عشر سنوات في فرنسا، التي انقسم شعبها بين مناصر لدرايفوس ومعاد له، وفي ظل هذا الاحتدام ظهر اول بيان في تاريخ الفكر الغربي عن جماعة من رجال الادب والفكر، تسمي نفسها "المثقفون"، نشر في جريدة "الفجر" سنة 1898، وقعته اسماء كبرى مثل: اميل زولا، اناتول فرانس، مارسيل بروست، ليون بلوم. فعد هذا البيان شهادة ميلاد للمثقف، واصبح تاريخ المثقف الغربي هو تاريخ قضايا اجتماعية وسياسية كبرى.
فأين من ذلك تاريخ المثقف العربي؟!، وهل لدينا شهادة ميلاد له؟!، واذا كان لدينا مثل هذه الشهادة فلم تبدو كأنها شهادة وفاة؟!...
لقد استطاع المثقفون الغربيون خلال مواقفهم من القضايا ان يتحولوا الى " انتلجنسيا"، اي الى الصفوة او النخبة المثقفة، التي تمتاز عن المثقفين بوصفها شريحة ضاغطة تمتاز بخطاب نقدي للذات والآخر، واضعة المعيار الاخلاقي الانساني اساسا للتأثير في المجتمع. فهل استطاع مثقفونا العرب ان يصبحوا "انتلجنسيا"؟!....
عمليات ابادة جماعية منظمة، تمثلت في: حملات الانفال، ازالة آلاف القرى، القتل بالاسلحة الكيمياوية، ممارسة ابشع انواع التعذيب والتهجير. ذهب ضحيتها آلاف العراقيين من الشيعة والكورد، رافقتها حروب مع دول جارة كايران والكويت. سياسات جسدت الوحشية المتصاعدة لقسوة نظام حكم العراق لأكثر من 35 عاما، ورغم هذه الانتهاكات اللاانسانية يجد نظام صدام دعما سياسيا واعلاميا من عدد غير قليل من المثقفين، فيما آثر الكثير من الآخرين ان يدفن قلمه في تراب اللامبالاة واللامسؤولية، فكان الصمت خطابهم المميز الذي يؤشر لموقف مماثل لموقف التأييد والدعم لهذا النظام، وقد كانت حرب الخليج الثانية اختبارا قاسيا لهؤلاء، كشفوا فيه عجزهم عن تكوين موقف ثقافي انساني. بل اصبح صدام في نظر بعضهم بطلا قوميا، ومحاولته غزو الكويت وضمها محافظة اخرى للعراق بمثابة خطوة لتوحيد الوطن العربي كما تصورها البعض. في مقابلة مع مجلة "الاكسبرس" قال "هشام جعيط" (اشهر مثقفي تونس، خريج السوربون، وحامل وسام جوقة الشرف الفرنسي): "العراق وصدام حسين يعطيان العالم العربي املا... وهو يضطلع باطلاق عملية توحيد العالم العربي"، متجاهلا قيم صدام الوحشية وانتهاكاته السافرة لحقوق الانسان والحقوق الدولية. فاذا ما تحفظ البعض ازاء هذه الممارسات الدموية وتبرؤوا منها، فانهم يظلون يدعمون سياسة العدائية تجاه جيرانه والنظام الدولي.
ثمة سطوة استحواذية ومعتلة كما سماها مكية، تفرضها سياسة الهوية على المثقفين العرب، تدفعهم الى ايجاد الاعذار للمشروع السياسي للديكتاتور العراقي أو مساندته بشكل فاعل، فتبلورت كرؤيا تفشت في الاوساط الثقافية والاعلامية، وتشكلت في خطاب مناهض للغرب خلال ازمة الخليج، استندت الى وهم الهوية القومية الجريحة اثر هزيمة الجيوش العربية المنكسرة في حرب 1967، فكانت ازمة الخليج اختبارا للهوية والعروبة واملا بانتصار ولو هامشي لما يمكن تسميته بـ"رد الصفعة"، وتضميد "جراح قديمة من الكبت والعجز"، غير ان فارس "الشرف العربي" سرعان ما كبا كبوة قاضية، ليعمق الجرح العروبي والقومي، مصحوبا بخيبة كبيرة بعد خسارته المعركة.
ما يثير الغرابة في موقف اولئك المثقفين، ان كثيرا منهم صاحب خطاب تنويري حداثوي، بيد ان الهزائم والازمات القومية المتتالية تبدو متجذرة في تكوينهم الشخصي، وربما كان لنضوب "الايدلوجيات وانحسار المد الثوري والمثل اليسارية" اثرا سلبيا في بلورة تلك السلبية للعالم التي اشرنا اليها آنفا.
خلال كتابيه "ثقافتنا في ضوء التاريخ" و "ازمة المثقفين العرب.. تقليدية ام تاريخانية؟"، يقدم عبد الله العروي تصورا للمثقف اساسه التشاؤم وخلاصته ان "المثقف مسكون بأزمة ابدية، وهو مرشح بطبيعته لأن يكون مأزوما"، وقد لخص جورج طرابيشي هذه الفكرة بقوله ان المثقف "مأزوم بحكم انتمائه الى مجتمعات مأزومة"، لذا يؤكد كمال عبد اللطيف انه علينا ان نعترف بان اوضاع المثقفين في العالم العربي، تعد جزءا من وضعية التراجع العامة الحاصلة في الواقع العربي، فغياب الديموقراطية والحريات لعب دورا نوعيا في انحسار الفكر الاصيل وتراجع دور المثقف النقدي والملتزم، مع نجاح انظمة الاستبداد بتكميم الأفواه وتحطيم الاقلام، كما يرى البعض. لكن هل يعد هذا مسوغا كافيا ومقنعا لتبرير الموقف المخزي للمثقفين العرب ازاء ازمة الخليج وما سبقها وتلاها من انتهاكات فاضحة لحقوق الانسان؟!..
يؤكد العروي ان المثقفين العرب يفكرون وفقا لما يسميه "منطق الفكر اللاتاريخي"، الذي لا يؤول الا الى نتيجة واحدة: (عدم رؤية الواقع)، معللا ان نكسة 67 اضعفت الحركات الليبرالية والتقدمية العربية، وعملت على انكفاء المثقفين العرب نحو الايدلوجيات الرومانطيقية، التي بدات تحركها كراهية عاطفية للغرب، واتضح هذا جليا ابان ازمة الخليج حيث "تمحور الشعور القومي الثقافي حول الكراهية للغرب والاعتزاز بتجسيد صدام القوة العربية- الاسلامية"، يرافقه للأسف قلة اكتراث مخزية بحقوق الانسان.. ان كيل التهم للغرب وعدم المبالاة ازاء القسوة هما في هذا المنظار "مظهران مشابهان لمنطق الرفض وعدم الرغبة في مواجهة المرء عواقب كلامه هو بالذات"، كما يبين مكية... لذا فان خطاب المثقفين العرب المعادي للغرب خلال ازمة الخليج 1990-1991 لا يختلف عن خطابهم بعد 67 الساعي للتخلص من المسؤولية، وانما يعد امتدادا له.
يرى عاطف عضيبات ان ازمة المثقفين العرب تعزى لسببين اولهما: الاغتراب الذي يعيشونه خاصة علاقتهم بالسلطة، وثانيهما: عدم نجاحهم في تكوين طبقة مثقفة "انتلجنسيا عربية"، يستطيعون من خلالها القيام بالدور المناط بهم... وهنا يمكن القول ان لدينا مثقفين لكن ليس لدينا انتلجنسيا... وهذا ما يوضح لنا ربما غياب موقف ثقافي موحد ازاء سياسات القسوة المتفشية في العالم العربي منذ نهاية ستينيات القرن المنصرم... لدينا اذن فقط مثقفون عاجزون عن "تطوير خطاب انساني وديمقراطي داعم للغة الوطنية" كما يشخصه مكية...
لقد نجحوا فقط بتعبئة "ايدلوجية قومية تتسم بالشطارة، معادية للاهتمام الحقيقي بحقوق الانسان"، وقد كشفت ازمة الخليج ان الصمت العربي يعني "انعدام التعاطف مع الآخر، والانسحاب من المجال العام المشترك الى عناق مريح ولكن خانق مع مجموعات اصغر واصغر متطابقة الهوية، مثل القبيلة والديانة والطائفة والولاءات العائلية" كما يقول مكية، مؤكدا ان الصمت "مرادف لموت التعاطف في العالم العربي، انه سياسة عدم نشر غسيلك الوسخ امام الناس، وهو اختيار عدم معرفة ما يفعله العربي بأخيه العربي، بسبب خلجة عصبية لمعاداة الغرب، تحولت الى مرض".


رجوع


مقالات متعلقة
لا يوجد مقالات متعلقة.

100% 75% 50% 25% 0%


 
جريدة الذاكرة

أوراق الذاكرة

  كي لا ننسى
  ذاكرة الأقاليم
  موسوعة العذاب
  افكار
  فن وأدب
  كتاب في حلقات
  وثائق

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:


 
للمشاركة في أوراق الذاكرة
يرجى الأتصال

editor@IraqMemory.org
 


 

 جميع المقالات المنشورة في الذاكرة تعبر عن رأي كتابها

enana
 


الرئيسية | من نحن | مشاريع | أخبار | ارسل وثيقة | وصلات | تبرع | اتصل بنا | English | كوردي | ارسل الى صديق 

Copyrights © 2005 - 2007,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Developed By Ali Zayni