Email This Article ...     Printer Friendly ...    
 

كابوس عصري - قصة قصيرة

أحمد خلف

تاريخ النشر  Tuesday, December 27, 2005




أخذوني ووضعوني في صندوق لا أدري ما شكله وما حجمه، أدخلوني عنوة بعدما عصبوا عيني، أغلقوا كل منفذ في الصندوق وأحاطوه بسرية شديدة، تنفست من خلالها عزلة تامة، قلت لعل أحدهم يأتي ويفتح الصندوق، أزلت العصابة عن عيني، كنت حافي القدمين وثيابي ألمت بها الفوضى والعتق، لم يمهلونني لحظة كي أرتب حالي، سحبوني من بيتي بالصرامة العنيدة وقد تنكبوا البنادق والهراوات وألزموني الصمت، ولما اعترضت أمي لطموها على فمها وأسكتوها في الحال. جرجروني من ذراعي وأخذوني من فتحة ثوبي وهم يشتمون أمي وأبي... جاءت أختي الوحيدة وضربت صدرها ولطمت وجهها وهي تعوي، لكنها شتمتهم أيضاً لما رأتهم يعبثون بي، حينئذ دفعها أحد الأولاد، سقطت إلى الأرض، كشف ثوبها المنزاح عن ساقيها وفخذيها بالتمام، تداركت خجلها بالنهوض ووجهت إلى الولد صفعة محكمة على قفاه، هزأه رفاقه بالسخرية المريرة والكلام المبرح، اندفع الولد نحوها لمواقعتها بالهتك المتعمد، ولما صرخت به لطموني على وجهي وأغلقوا فمي بفوهة البندقية، صمت حقيقة وما تكلمت قط، كانت الظلمة كثيفة والمكان من حولي سميك الجدران، وفي البنيان، طرقت على الجدار ورحت أزحف مقلداً الكائنات الدابة على أربع، جاءني صوت جهوري: "تلك هي العزلة المفتقدة يادودة، ستراها وتتلمسها على مهل"، عرفت أنهم يبصرونني، بل أصبحت مكشوفاً لهم إذ لا شيء يحميني، لا ستار غير جدار الصندوق، علام ينظرون وينتظرون بعد ساعة مرت الدقائق فيها ثقيلة، مكتظة، مزحمة، نافرة، فتشت المكان من حولي، تلمست أجساداً طرية، غضة بالقرب مني وأدوات قطع وتركيب ودفع ورفع كأنني في مخزن أو غرفة مليئة بالحاجيات والأدوات الجارحة، حذرني أحدهم:
الويل، كل الويل لو حاولت الخروج من هنا، قد لا ترضيك النهاية لكننا قررنا إعطاءك فرصة لتثبت لنا حسن النية، قلت: -محال أن يكون هذا الكلام كله موجهاً لي أنا بالذات، وقبل أن ينهي الآخر كلامه النزق، أدركت أنهم بدأوا يرفعون الصندوق من الأرض نحو الأعلى، فجأة تكدس ضوء باهر على أرضية الصندوق، حاولت استغلال تدفق الضوء لمعرفة كنه الحالة، باءت محاولتي بالفشل الذريع إذ تهالكت إلى الأمام، انفردت خيوط الضوء كلها في جسدي وحواسي، بدت حالتي تختلف عما كانت عليه من قبل، واختلطت علي رؤية الأشياء كما ينبغي، أظنهم رفعوا الصندوق وساروا به. أصبحت مضطراً لرسم الطريق في ذهني وكيف ستجري الأمور من حولي، فأنا أعرف الدروب والساحات والطرقات والأزقة والمنعطفات كلها، أعرف الناس وأصواتهم (أصحابي وخصومي) أفراحهم وأحزانهم مؤامراتهم ودسائسهم، ربما عرفت في يوم ما، بعض نواياهم قبل البوح بها، أعرف بناتهم وأولادهم ونساءهم، أعرفهم كلهم، إذ ولدت هنا وعشت سنوات حياتي في أزقتهم وحاراتهم ولعبت مع أترابي في ساحاتهم، هم أيضاً يعرفونني، ويعرفون أمي وأبي وشقيقتي، لكنهم لما جاءت العاصفة الهوجاء افرنقعوا كلهم وتراجعوا نادمين، أو خائفين وقد ارتدوا إلى الجحور المعتمة، لاعنين ساعة وجدوا على وجه البسيطة، شتموا بعضهم بعضاً، وتعاركوا مرات عديدة فيما بينهم بالهراوات والمعاول والسكاكين والخناجر، حتى إذا هدأت أذيال العاصفة الهوجاء، ارتخت مفاصلهم ولاذ العديد منهم بالفرار، إلا أنا وأمي وأبي وأختي، جلسنا عند عتبة المنزل لا نأخذ شيئاً، لكنهم جاءوا وأخذوني ووضعوني في صندوق، هاهم يسيرون بي على مهل تاركين فرصة مناسبة للتخيل المرن، لم تكن البلدة لتضيق بالشوارع والأزقة والحارات والدروب، كانت طرقاتها واسعة ومفضية إلى عراء شاسع وشوارع طويلة وأزقة ملتوية وبيوت واطئة، وجدران ملساء ناعمة.
هاهم يصلون بي إلى الساحة المدورة، التي حدث على أرضها تشقق أخاديد بفعل هزة مدمرة جعلت كل شيء حي يرعوي أو يتداعى في الظل المتواري. أنزلوا الصندوق إلى منخفض الساحة كي يتلافوا السقوط فيها، هبطوا خفافاً، تنسمت عبر الشقوق الصغيرة والثقوب الضئيلة، روائح غادية، وروائح موتى وجيف حديثة العهد من حدوث دفن الجثث، امتزجت الروائح في ذهني بصدى سنابك هاربة لخيول فكت عقالها ومقاودها وألقت كل من كان عليها وولت تفر في البيداء وتتدافع في الفلا، رأيت جمالاً تكسرت أرجلها وسيقانها والتوت مثل قصبة يابسة، تضاءلت كل الجمال في ساعة الشدة وتهالكت عند أطراف البلدة، بعدها بقرت بطونها بالسيوف وقطعت رقابها بالخناجر، جاء نفر من الأولاد وتكدسوا حول الجمال بعدما غدت نافقة ميتة، بكوا حتى أدموا قلوبهم بالعويل والنواح، وجاء أحدهم مشمراً عن ساعديه، وصاح بهم، هيا بنا، هيا إلى الساحة يا أخوتي. هيا (أغلب الظن هو سيدهم أو أميرهم أو رئيس عشيرتهم) هيا بنا يا أخوتي، ركضوا حفاة الأقدام، بعضهم انتعل خفاً من الجلد أو المطاط وقد ربطوا الخفاف حول أرجلهم وأوثقوها بإتقان. حلقوا كلهم بسرب واحد نحو البلدة، شاهرين السيوف والرماح، لما جاء بعضنا وانكفأ على لحم الجمال يحمله إلى أهله، صادفهم الأولاد في الطريق وراحت السيوف والهراوات تقتص من الجميع، سرقوا لحم الجمال وهربوا تاركين أخوتنا فرائس للضواري والريح العاتية، كنت منزوياً في ركن قصي لا آخذ شيئاً، ولا أعطي شيئاً، لأني ربما أدركت ما سيؤول إليه الحال من فوضى وتجهم، قلت لعل الأيام الآتية تخفي عني أمراً آخر، يحدث هذا عادة كلما عصفت في الجوار الزوابع العاتية، في تلك الأثناء توارد إلي خفق سريع خفيف الوقع وسمعت منادياً محاذياً لي يقول مخاطباً إياي:
لا تبتئس فقد هربناك، أتريد أن نفتح لك كوة في الصندوق، معنا الفؤوس والمعاول، هل تسمعنا؟... كأنهم وطئوا أحد الأزقة التي جرت فيها أختي من شعرها على أرض الزقاق ورسم جسدها الغض آثاراً وشواهد حتى الساحة المدورة، حدث هذا إثر جريرة وحماقة أرتكبتها بدافع من نزوة شديدة الوطأة على روحها، حين شدت أحدهم بضفيرتها وحزت رقبته، دافعه إياه إلى الوراء، إلى الوراء دون تراجع وبقوة وعنف، شدت ضفيرتها على عنقه وأزهقت روحه في الحال، وبالحركة العنيفة ذاتها نهضت وانتفض جسدها الفتي من انحناءة مدروسة نحو الأعلى، حتى استحال جسدها كله إلى ذراع صلبة، عندئذ تمكنت بحركة ذكية ماهرة، من أن تفك الضفيرة ويتداعى الرجل كومة من عظام بلا أنين. كان النصف الثاني من النهار ينقضي تواً لما وضعوا الرجل فوق آجرة مسننة، لها أخاديد تختفي في عمقها الأرانب والسحالي العمياء ثم رأيتهم يدثرونه بفيض من القش الرطب والعشب المندى بقطرات ماء محمولة على الأكتاف بالأواني الفخارية والنحاسية ممعنين في رش الدروب بالرصاص وصدى الكلمات الجارحة، كان في الطرقات رجال نائمون أو حالمون بانتهاء الضجة حولهم أو في الأزقة، لكنهم ظلوا يفتحون نصف أعينهم على الفراغ والفضاء الشاسعين، والريح تعبث بالحجارة وأقراط النساء الضائعة وسط التراب والغبار، تلك اللحظة سمعت أحدهم يعبر صوته إلي : أنت يا من هناك، أتضيق بالمكان أم تراه يضيق بك؟ فجأة تسلل خيط من الضوء الباهر، سقط على قدمي وأشعل النار من حولي، التهبت أطرافي وأدميت مني الأصابع، صدر أنين واستغاثة ثكلى للتخلص مما أراه وأعانيه وحدي، قالت امرأة عابرة: - أن رجلاً له قدرة خارقة على المعاناة والتحمل لهو جدير بالتحلي بالصبر إلى آخر المشوار، يا للشهيد، يا للوحيد.
يقيناً كانت تعنيني بكلامها، وقلت ماذا عساها تفعل هذه المخبولة لو وضعوها في مكاني؟ رأيتهم يتراجعون نحو الخلف، تحت ضرب السياط أو اجتراح الفؤوس كأنها تجتثهم مثل حطب يابس لا رجاء فيه، ما كان بمقدورهم أن يلموا شتاتهم، ظلوا غرباء أو ينتسبون لبعضهم، حملوا معهم كل شيء يمكنهم حمله، أخذوا معهم القدور والأواني والثياب وأكباد الجمال التي سرقوها في عز الظهيرة، حملوا الكوانين والطاسات والوسائد والأباريق وأقمشة الصوف وأكياس الحناء والعدس والمغازل الخشبية وسجادات الصلاة والحصران وقلت هي ذي الريح العاصف تلفهم وتغيبهم وقت الظهيرة، قبل حلول المساء أو انقضاء النصف الثاني من النهار، لكني فوجئت بهم يعودون من حيث أتوا يعضون بنواجذهم على سباباتهم أو يقضمون شفاههم نادمين ونادبين حظوظهم العاثرة المهشمة وأقدارهم الرمادية وعيونهم السود وقد احمرت من طول السهاد والترقب.. أصخت السمع للخطو بالقرب مني، أدركت أنهم يتوجهون بالصندوق نحو الشاطئ، لكنهم لم يصلوه. عرفت ذلك من مشيهم المتريث، من تلك الحركة لأقدامهم وخطواتهم القصيرة الهادئة على الأرض التي دارت على أديمها رحى معارك شعواء بين الأزقة وقد غطست أرض الشاطئ بأنواع النباتات البرية، اختبأ عدد من الفتيان في الأحراش المجاورة وراحوا يتنادون بأسماء أمهاتهم وأخواتهم، ثم فجأة، حدث ذلك الهرج والمرج وتعاركوا في ما بينهم عراك الضواري وقسوتها، جاؤا بالهراوات والسكاكين، بخناجر آبائهم وسيوف أجدادهم، رفعوا الرايات وتنادوا فيما بينهم، شقوا صدور بعضهم بالبلطات، أبصرتهم كلهم، اندفع نفر منهم كالمجانين يدورون حول أبنية الباشا كي ينهبوها ويهتكوا سترها. صرخت مذعوراً : ما الذي تفعلونه يا أولاد المجنونة. صاح أحدهم: -أسكت ولا تصرخ مذعوراً هل نسيت ذلك الغلام الذي واقع أختك أمام الأشهاد؟ ولما عضضت أصبعي، عاد يعوي بوجهي: ألا تعرف إلى أي السلالات يعود أصله وفصله؟
هززت رأسي علامة النكران لا إشارة للتجني، ظل الولد شاخص النظرات نحوي وهو يصرخ: -يا للعار، يا للشنار، يا للثأر: قلت له: "هذا الغلام غريب ولا يصح قتل الغريب".. لكنه هزأني وسخر مني وشتم أبي وأمي التي ظلت تنوح وحيدة في الدار تبكي ابنها وقد أخذوه عنوة ووضعوه في صندوق لا يعرف شكله ولا يدري حجمه إنما سدوا عليه المنافذ وراحوا يخاطبونه من وراء الجدران: "أنت يا من هناك أتضيق بالوقت أم ترى الوقت قاتلك الآن؟" مال الصندوق وانحرف جانباً، ضربة سريعة من الرأس على الجدار المواجه، جعلت الموجودات تستحيل إلى حطام. دوار عنيف أحاط بي وشدني إلى مأزر الخوف واللعثمة، ماذا عساني أفعل بحياتي ؟! لما بدأت الأوراق تذبل وتتساقط وتترك الأغصان جرداء خاوية وتغدو الأشجار ملساء عارية، كأنها أصيبت بالهرم والتلف السريع، الجدران أيضاً تهالكت بفعل الهزة الرعناء، سمعت أحدهم يصرخ: -لقد ضربوا البيت بالمنجنيق، بل البيوت كلها ضربوها بالمنجنيق من الصباح الباكر، أعني ساعة الفجر حتى وقت الظهيرة، أولاد الزانية. فجأة ارتفع الهمس من حولي، سمعت قائلاً يقول قولاً غريباً، لندفع به إلى النهر وننقذه من الموت المحقق. ضربت جدار الصندوق بيدي ورأسي وقدمي، ولكن لا أحد يجيب. تلمست يدي مقبضاً حديدياً، أخذته وصفعت الجدار، رن في رأسي صدى أحدث ترجيعة ترددت ذبذبتها في عقلي كأنها العويل أو العواء، ولما كررت المحاولة وصفعت الجدار جعلت موجودات النهر تصعد إلى الأعلى، اندفعت وأحاطت بالصندوق من كل جانب، حانت مني انتباهة، أخذت مدكاً وضربت السقف بقوة نادرة، انفتحت ثغرة في جدار السقف جعلت الأسماك تندفع نحو الداخل. عرفت بعضها في الحال، تلك أمي وذلك أبي ولبطت أختي بجانبي، قلت لها: -أما تستحين يا أختي، تخلعين رداءك وتستحمين بجلد العناكب؟ بكت أمي وذرف أبي دموع التماسيح على لحيته الكثة. قال لي شامتاً:
"حسناً فعلوا وأدخلوك هذا التابوت".
قلت ساخراً؛ ليس هذا تابوتاً، بل صندوق لحفظ الأطعمة النادرة من التلف. قال : تعني ثلاجة؟ قالت : أمي بل يعني صندوقاً من خشب الصاج. ولما حل المساء ذهبت أختي وكانت جداً غاضبة مني. جاءت بعد حين بحشد من الأسماك وهي تدغدغ فمي وأنفي وعيني، كانت الأسماك تشبع مني وما عدت قادراً على الدفاع عن نفسي، صحت: -يا أمي انتبهي إلى أشيائي تضيع مني وتهدر كرامتي وكبريائي. توسد أبي خاطره المحير ونام بعض الوقت. وهو يتثاءب، وفي منامه سمعته يقول: آه ما أوسع المكان وما أضيق وقت الراحة.. كنت وحدي ولا معين لي البتة. عند ذاك جاء رجل له عين ثابتة، كأنها قدت من زجاج صقيل، قال لي هامساً وبيده يشير إلى الساحة المدورة: -"تعال وانظر ماذا يجري هناك ولا تحدث ضجة".
زحفت على أربع والتصقت جبهتي في الجدار وعيني في الثقب. رأيت الناس يتجمعون. جاء خلق كثير. وجاء الباشا والعساكر معه جاء السياف ووراءه يسير الخدم والجندرمة والأشقياء يهشون الناس ليفسحوا الطريق لموكب الباشا، وجيء بفتى موثوق اليدين معصوب العينين وجعلوه يقف وسط الساحة يحيط به الجميع من كل جانب يمشطونه بنظراتهم وأنفاسهم، وقال السياف للفتى:
-اعترف أنت من سرق ابنة الباشا.
بدا الكلام غريباً وغامضاً يأتي من أزمان سحيقة ومن قرون بعيدة، كأنه ينبثق من تل من التراب أو من عمق الأرض، صوتاً جهورياً، لكن نبرته هجينة، مستعصية على الفهم أو الإدراك، تبادل الباشا النظرات مع السياف بعض الوقت، عندئذ أزاحوا العصابة عن عيني الفتى. كدت أصرخ لأن الفتى يشبهني. وجاءني خوف كثير قلت من الجائز أن يكون هو أنا لكنهم أخطأوني.
عاد السياف وتأمل الفتى بنظرة لا تخلو من أسف.
وجهه وهو يرفعه كان يماثل البدر في اكتماله، حسن الأوصاف، لين الأعطاف، بهي المنظر، رشيق القد، أسيل الخد، زهي الوجنات مع ذبولها، ترف النظرات مع شحوبها وقد عذبه طول السهاد مع أن جسده الرقيق ما كان يرتدي غير أسمال من ثياب رثة وقميص قد من دبر.. جيء برجل دين يتلو آيات من الذكر الحكيم، أمسك الرجل بذراع الفتى برفق، كان الذراع أخرق لا حياة فيه: ("لا حول ولا قوة إلا بالله" يا بني ألا تعلم أن حياتك أمانة بين يديك وهبها الرب الخلاق العزيز الحكيم الجبار، لك، وجعلك مسؤولاً عنها، يا بني لعلنا ننال الجنة ونفوز بلقاء الحبيب هناك، يا بني قل ما عندك ولا تخش في الحق لومة لائم، أعني اعترف بما تحملة سريرتك ويطويه قلبك ولا تبطن الشر والضغينة لمولانا الباشا)... ولما يئس الرجل من الفتى التفت إلى الباشا وهز رأسه علامة اليأس والقنوط المطبقين: "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب" تقدم الباشا نحو الفتى وأمعن النظر فيه كأنه يريد تلمسه كحقيقة ماثلة:
"يا بني أنت شاب مليح وحملك في الدنيا خفيف صريح، تلطف بحالك وأخبرنا، أأنت الجاني أم غيرك".
أما ما كان من الفتى فقد سمعت الكثير من الحكايات والروايات عن أشخاص ماتوا من الرعب أو أسكتهم الفزع إلى الأبد، لكن ذاك الفتى الذي يشبهني أكثرهم رعباً كأنه بوغت بالمكيدة وأسقط بين يديه وما عاد أمامه إلا تسليم عنقه إلى سيافه، ولما نقل عينيه في ما حوله، أجهش ببكاء صعب ونواح يقطع نياط القلب لأن العبرات خنقته وعثرت لسانه في فمه، واصل النواح والعويل، ولم يفتح فمه بكلام مدة من الزمن.. تقدم السياف نحو الفتى وأمسكه من ذراعه وتبادل مع الباشا النظرات وهما يفصحان عن الكلام الدفين، ثم هز الفتى من ذراعه وصاح منادياً: -"يا مولاي هو الجاني بلحمه ودمه"، ساد صمت ثقيل، فجأة لاح لي أن الفتى لم يعد يشبهني ولكن شبه لي أنه أنا نفسي، وحين ضج الناس بالصراخ وأصبح الأمر معلوماً، صرخ الباشا بالسياف: "هيا أقض على رأس الفتنة" وحالما تململ الجمع وتعاظمت الآهات والعبرات والزفرات من الأفواه والصدور، أرسلت إشارة إلى الموت سراً، بحركة جداً غامضة، ارتفع بريق خاطف شق صدر السماء ونزل بحدة السيف ليبتر الرأس ويفصله عن الجسد ليتدحرج جانباً ويتدفق الدم نحو الساحة المدورة راسماً خطاً ميسمياً في جريانه الحثيث. كان الحزن المر يطفح نحو الأفواه، غشي على بعض النسوة لمرأى الرأس والجسد يرفس، كانت الساقان قد تهالكتا والتم الجسد، لكن انتفاضة سريعة حتمت على الأصابع أن تحفر لها في الأرض اليابسة مخدعاً أو حفرة صغيرة، فجأة كبر الناس باستغاثة متداعية، بدت الوجوه نصف ميتة، لا تنظر إلى شيء ثابت بل تحدق في الفراغ والفضاء الشاسعين. ماجت الجموع وتحركت الحشود، زحفت من كل جانب ومن كل صوب وبدأ العراك المخيف يستقر في رؤوسهم، وبالضرب العنيف جرى العراك، كأنه سيمضي بهم نحو الأزل، رأيتهم يسعلون ويشخرون شخير الموت، مثخنين بالجراح، اندفعوا يجرون وراء بعضهم في الأزقة والدروب ويقتصون من عذابهم بالهراوات والفؤوس والخناجر.. عند ذاك داهمني هدوء عميق لما رأيت نفسي معزولاً في صندوق يطفو على سطح الماء، غاب الجميع عني. جاء رجل غريب وسلط ضوءاً شديد التوهج جعل جسدي يلتم على بعضه وينحدر، والرجل يتقدم نحوي ويتمتم في النهر، أدركت أنه يهبط بي نحو العمق من النهر، ماعدت أرى غير ظلام المياه، بحثت عن أمي وأبي، بحثت عن أي أحد دون جدوى، ولم يكن أمامي إلا أن أتوسد خاطري وأنام بهدوء تام.
 


رجوع


مقالات متعلقة
لا يوجد مقالات متعلقة.

100% 75% 50% 25% 0%


 
جريدة الذاكرة

أوراق الذاكرة

  كي لا ننسى
  ذاكرة الأقاليم
  موسوعة العذاب
  افكار
  فن وأدب
  كتاب في حلقات
  وثائق

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:


 
للمشاركة في أوراق الذاكرة
يرجى الأتصال

editor@IraqMemory.org
 


 

 جميع المقالات المنشورة في الذاكرة تعبر عن رأي كتابها

enana
 


الرئيسية | من نحن | مشاريع | أخبار | ارسل وثيقة | وصلات | تبرع | اتصل بنا | English | كوردي | ارسل الى صديق 

Copyrights © 2005 - 2007,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Developed By Ali Zayni