Email This Article ...     Printer Friendly ...    
 

دمع أمي، من يوميات الحنين "2"

عبدالرزاق الربيعي

تاريخ النشر  Tuesday, December 27, 2005





"اياك ان تضحك على شخص وهو يغني أغنية عاطفية لأمه"
مايك روكيو


بعد نشر مقالي الذي حمل عنوان "قهوة امي من يوميات الحنين" والذي شرحت به انكساري بعد فشل محاولتي للقاء بأمي التي فارقتها اثنتي عشرة سنة من على شاشة التليفزيون، تلقيت ردود أفعال ايجابية عديدة من قبل الأصدقاء وعموم القراء ممن تفاعلوا مع معاناتي وهي بسيطة ومتواضعة جدا ازاء معاناة امي التي شيعت مع أبي بدموع حبيبة جنازة اخي الذي اعدمه نظام الطاغية صدام عام 1981 ولم يكن مسموحا لها بالبكاء، لان رجال الأمن كانوا ينظرون شزرا الى عينيها فاذا فلتت دمعة من محجريها او انحدرت آهة من قلبها الجريح سجل اسمها في سجل "خونة" الوطن!! لانها تبكي على أحد "الخونة" المتآمرين على سلامة الوطن!! الذي اودى بحرصهم على "سلامة" وسلامته الى حرب لاهوادة فيها انتهت "بتسليمه" الى ابشع احتلال عرفته الألفية الثالثة!!
وللآن اتذكرها عندما عادت من دفنه، كيف اجهشت ببكاء حار مشوب بخوف!
وكيف كانت أعين النسوة صامتات خشية ان تكون بينهن امرأة "مندسة" من رجال الأمن فالعزاء على من "خان" "القائد" والوطن جريمة!!
والبكاء خيانة!! قد تؤدي الى مصير بشع لا يقل عن مصير الباكيات عليه!!
فأي وطن هذا الذي يصبح فيه البكاء على من لم يسر مع ركب القطيع خيانة عظمى؟
هذا الوطن اصبح مزرعة للثكالى، ففي كل يوم يموت المئات من الابناء ويولدن المئات من الثكالى!!
وأمي واحدة من آلاف الثكالى!
بعضهن ثكلى بأكثر من ولد
لذا لم اشأ ان تكون أمي من ضمنهن وكانت أمي امام خيارين اما ان تدفنني تحت الارض الى جانب اخي اذا تلطفوا بي ولم يضعوني في مقبرة جماعية! او ان تدفنني فوق الارض لذا حملت حقيبتي وحالما عبرت الحدود كتبت:
"حينما ازرقت شفاه الختم
في قلب جوازي
وعبرت الحاجز الليلي
سالت من قروحي
وردة فضية حرى
تلاها وجه أمي
ورغيف النار
والشمعة في غرفة نومي
وتصاوير التي شدت على قلبي
غداة انكسر المفتاح
في قفل الرياح"
ومعاناة البعد أهون بالتأكيد من معاناة الثكل وصرت اردد مع أبي
فراس الحمداني
مصابي جليل والعزاء جميل
وظني بان الله سوف يديل
جراح وأسر واشتياق وغربة
احمل اني بعدها لحمول
واني في هذا الصباح لصالح
ولكن خطبي في الظلام جليل
تطول بي الساعات وهي قصيرة
وفي كل دهر لا يسرك طول
الى قوله:
وان وراء الستر أما بكاؤها
عليّ وان طال الزمان طويل
فيا أمتا صبرا فكل ملمة
تجلى على علاتها وتزول


وزال ظلم النظام البعثي واستبشرت الامهات بعودة أكثر من اربعة ملايين عراقي مهاجر توزعوا في اصقاع الارض، ولكن حل ظلام جديد.. انه ظلام الاحتلال وصرنا كما وصفت ذات مرة كمن خرج من حفرة ليقع في بئر.. وتكسرت الفرحة.. وطال الغياب.. وزاد عذاب الامهات ومنهن أمي التي منذ اعدام اخي عام 1981 كما ذكرت لم تخلع السواد:


الأمهات محنة صقيلة
قلت هذا
لأكثر من رجل كامل العقوق
فلم يصدقني المساء الأبله
واعيد وأصقل:
الأمهات محنة
انهن لا يسمحن لنا بالموت المبكر
على الاطلاق
حتى بعد الموت
لا يسمحن لنا بالشيخوخة حتى
وتسلق جبال الأيام
أقولها
وأعيد وأصقل:
الأمهات محنة
ألم يضع الله الجنة
تحت أقدامهن
فهجرنها
ولحقن بنا
ليقاسمننا جحيمنا الارضي؟
والآن ألا ترون ان معاناتي متواضعة ازاء معاناة أمي التي تفلق الصخر؟


 


رجوع


مقالات متعلقة
لا يوجد مقالات متعلقة.

100% 75% 50% 25% 0%


 
جريدة الذاكرة

أوراق الذاكرة

  كي لا ننسى
  ذاكرة الأقاليم
  موسوعة العذاب
  افكار
  فن وأدب
  كتاب في حلقات
  وثائق

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:


 
للمشاركة في أوراق الذاكرة
يرجى الأتصال

editor@IraqMemory.org
 


 

 جميع المقالات المنشورة في الذاكرة تعبر عن رأي كتابها

enana
 


الرئيسية | من نحن | مشاريع | أخبار | ارسل وثيقة | وصلات | تبرع | اتصل بنا | English | كوردي | ارسل الى صديق 

Copyrights © 2005 - 2007,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Developed By Ali Zayni