Email This Article ...     Printer Friendly ...    
 

وقائع شارع المتنبي، ذاكرة مكان

جمال كريم

تاريخ النشر  Sunday, January 01, 2006





من المتنبي تمثالا الى المتنبي شارعا للمواجهة الثقافية

كنت اريد ان اصفه قبل الطوفان، والحرائق، قبل البطش والقمع والتذويب، قبل التهجير والتنكيل، قبل ان تحترق خيمة الشعر والشعراء، قبل المناسي والمنافي، قبل عولمة التاريخ والدين واللغة والشعر الحكومي، قبل عولمة تحسين الاخلاق والجنس ، قبل كل هذا وذاك، كنت اريد ان اصف "المتنبي" شارعا، ثقافيا، رائعا على مستوى المكان ، أصفه ذاكرة معرفية، وحضارية لبغداد بدءا من انكيدو مخلصا والى المتنبي شهيدا ووصولا الى الرصافي مشردا والجواهري الراحل في منفاه وحتى السياب غريبا يقف المتنبي النصب، شامخا مرفوع الرأس، قبالة وزارة الحربية، قامة شعرية جمالية واخلاقية، يقف، ممتشقا، سيفه، حاميا، وراءه قاعة ابن النديم المفهرِس ،قائدا جيشا من الشعراء والكتاب والفلاسفة ، المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس، وبعد اكثر من الف عام تجده اليوم يقود هذا الجيش العظيم من الاداب والمعارف والفنون ومن مختلف جنسيات المعمورة، يقوده من داخل فضاء المكتبة الوطنية العراقية قبالة وزارة الحربية تماما!! مواجهة حقيقية بين الكلمة والرصاصة بين القصيدة والمدفع بين اللوحة والدبابة مقاربة غريبة من نوعها، ليس على صعيد العراق او الوطن العربي بل على صعيد العالم. غير ان المشهد الاكثر غرابة هو اختيار نصب المتنبي تمثالا في مكان لم يدر في خلد المتنبي وايضا لم يرد في خطابه الشعري، اطلاقا انه سيكون قبالة ديوان دار الحربية تلك الدار التي اغتيل المتنبي باحدى آلاتها في النعمانية جنوب بغداد.

بالقرب من المتنبي قائدا لدار الكتب وقبل ان يحرق جيشه بوحشية قل نظيرها في زمكانية المعمورة، بامكانك ان تمر على "ساحة الميدان" ساحة تعاقبت عليها حقب ومحن، خطا على ازمنتها وامكنتها، جنرالات كبار يتبعهم عساكر صغار، موظفون مسلكيون مهندمون بعناية، عمال عاطلون، مشردون، تعساء، مجانين منقطعون، صبايا حالمات، نساء خذلتهن العنوسة، ملكيون متقاعدون مقامرون حاذقون، محتالو التحف المزيفة حلاقون وحلوانيون، اكاديميون، وفنانون، شعراء "قريضيون وتفعيليون" الرصافي، الزهاوي، الجواهري، البصير، السياب، سليمان العيسى، نازك الملائكة، عاتكة الخزرجي، مظفر النواب، البياتي، لميعة عباس عمارة، حسين مردان، سعدي يوسف، بلند الحيدري، حسب الشيخ جعفر، فاضل العزاوي، فوزي كريم، هاشم شفيق، شاكر لعيبي.. وغيرهم من الشعراء العراقيين والعرب والاجانب.

ساحة الميدان، تقودك عبر مدخل "شارع الرشيد" الممتد حتى "شارع ابي نواس الى مقاه، شكلت محطات ثقافة ومعرفية فاعلة وناشطة في ذاكرة الرشيد شارعا، وفي ذاكرة بغداد عاصمة ، وفي ذاكرة الاجيال الادبية المتعاقبة ابداعا متوهجا "الزهاوي" اول المقاهي الثقافية ـ من حيث الترتيب ـ في شارع الرشيد من جهة ساحة الميدان، هدوء مفعم بالكلاسيكية الصارمة يملأ فضاء هذا المقهى، الذي ما زال ماثلا في ركنه الهادىء، مقهى كان يمكن ان يراه الزائرون اليوم مطبعة تجارية لعلب الاحذية والزيت والحلويات وبطاقات التهنئة، والاعراس لولا، ان رواده المخلصين من الملكيين والجمهوريين الوطنيين وشعراءه العموديين من المحامين والقضاة وكتاب العدول واكاديميي الجامعات تداركوا الكارثة في ازاحة المقهى وطمس هويته الادبية والثقافية خلال عقد الثمانينيات من القرن المنصرم، معتبرين فكرة الازاحة الى ما هو تجاري مسخا، متعمدا لارث مكاني، ثقافي وحضاري من عمارة الفكر الثقافي العراقي.. لقد انقذ اولئك الرواد وعاشقو ومحبو القصيدة الخليلية وفرسانها ومخلصو الزهاوي الشاعر، الفيلسوف اقول لقد تمكن اولئك المخلصون من انقاذ المقهى من كارثة الازاحة والانهيار وبعد مرور اكثر من عشرين عاما، على تلك المحاولة الكارثية، مازال الزهاوي المكان محتفيا باستقبال رواده وزائريه ومحبيه ومودعا اياهم بخشوع وهدوء صوفيين مفعمين بعبق التاريخ والشعر وما زال الزهاوي الشاعر بـ "سدارته" البغدادية يتطلع من داخل اطاره بالابيض والاسود بعينين سادرتين، الى تلك الحركة اليومية الدائبة. لاكثر العواصم في الدنيا مقاهيها الثقافية، مقاه كانت تبدو في انظارنا كبيرة وعظيمة، لكننا حين نكبر تضيق الامكنة وتقصر المسافات لنكتشف، بل، نصطدم بالكارثة من جديد، اذ ان جزءا واسعا من جغرافيات المقاهي/ المكثقافية، قد زحفت عليها حداثة العمارة الاسمنتية او ان البعض منها، تعرض للازاحة القسرية لدواع وبواعث، مادية او لدواعي الخوف من اتساع هذه الجغرافيات وما تشكله انشطتها وفعالياتها من نتائج مقلقة لدواوين السلطة، ولان هذه الامكنة ايضا تعبر حدودها الجغرافية لتصبح مثل الضوء بلا حدود.. في شارع الرشيد الموازي للماء ماء كالفضة النقية ماء آت من الشمال ومتحدر نحو الجنوب انه نهر دجلة، نهر نبيل يمر بالمدن ويشطرها الى نصفين مليئين بالسحر والجمال العميقين في ذلك الشارع ستجد الزهاوي/ المقهى، الصغير ذا الواجهة الزجاجية، شاخصا مهيبا في احد تقاطعاته المقهى، الذي كان الزهاوي ، الشاعر يؤمه مع جموره المخلص ومن خلال الواجهة والضوء الحاد لاشعة الشمس اللاهبة في صيف بغداد القاسي بامكانك ان تتطلع الى وجوه المارة نساء ورجالا يعبرون الطريق بوجوه صامتة قلقة، وما ان يراك "الجايجي"(1) قد جلست في مكانك يتقدم اليك ببطء ورزانة ليسألك "ماذا تشرب شايا ام حامض"(2)، ولو تأملته وهو يقدم اليك ما طلبت، بادب واتزان مثيرين لتصورته جزءا من تاريخ وعمارة المقهى بدونه سيفقد المقهى بعضا من جماله وروعته وهيبته، وهو لا يتوقف عن حركته البطيئة بين زبائنه اليوميين يعرفهم ويعرفونه، علاقة حميمة رائعة تملأ فضاء المقهى حوارات وتنظيرات وسجالات ساخنة في الخطاب الشعري العربي القديم والمعاصر على حد سواء في الفنون والسرديات وفي القضايا الانسانية العامة الاخرى. الزهاوي/ المقهى فضاء هادىء وحالم، كائناته قلقة جميلة تدخل فضاءها لتعيش قلقها وجمالها العميقين من خلال تجلياتها الروحية الخاصة، ايماءاتهم ورؤاهم، مسكونة بالحنين الى الماضي بكل قيمه ومثله المتألقة، لكن دون ان يتقاطعوا مع مثل وقيم الحاضر.
سلاما ايها المتنبي شاعرا وشاهدا على حرائقنا الحضارية..
سلاما ايها الشعراء الطيبون وانتم ترون كل ذلك.

عندما تخطو مخلفا الزهاوي/ المقهى وراءك باتجاه "ساحة الرصافي" وفي منتصف المسافة بينهما، تماما تصل متشوقا الى مقهى "حسن عجمي" مقهى عتيق زاه وكان ملتقى لفرسان القصيدة الخليلية ورواد قصيدة التفعيلة على حد سواء اضافة الى رجالات الاداب والصحافة والفنون الاخرى، مقهى عتيق ومليء بالذكريات، ذكريات المدينة وهي تؤثث عماراتها وتاريخها "قهوة حسن عجمي هي من انظف مقاهي بغداد وتقع في الحيدرخانة بجوار مدرسة شماش اليهودية من جهة الجنوب ودكان الحاج زبالة بائع الدندرمة من جهة الشمال، ولا عجب فان حسن عجمي نفسه كان انيقا في ملبسه ومحترما في تصرفاته وكان يقتطع زاوية المقهى ايام الصيف للتلاميذ ليذاكروا دروسهم ويمنع لعب الطاولة او الصياح قرب التلاميذ حتى ينتهوا من مذاكرتهم" (3).

يطل هذا المقهى بذاكرته على شارع الرشيد والذي يفضي من على جانبيه الى منعزلات ومناس اجتماعية اهترأت بفعل الزمن الذي مر عليها، وعلى مخلوقاتها التي لم تغادر مناسيها والتي قد لا تتصل ببعضها لايام طويلة، مخلوقات تحيا لمساءاتها اللذيذة الخاصة، وغالبا ما تحاول تبديد وسأمها خاصة عندما تجدها مرمية في مقاه قريبة، كئيبة، وقد تتصل هذه المنعزلات ايام المحن، خاصة ببعضها بقوة وحدها تعيش او تموت لتكتشف في نهاية الامر، وهنها، وهي تخطو وئيدة تحت ضوء القمر المنسرب بين شناشيلها. المهترئة والمتكئة على بعضها من اعاليها، لكنها تظل مأسورة بمناخاتها البغدادية العذبة، فهي قد احبتها بدفء وعمق انسانيين ورأت فيها خلاصها مثلما احبت الحياة نفسها، تظل تجوس منعزلاتها ومناسيها وتعيد بين مرة واخرى تشكيل امكنتها الممتزجة وفق ذائقتها وتصوراتها القيمية البسيطة لمفهوم المكان، مشى العمر ومشت مخلوقات تلك المنعزلات نحو كهولتها وافولها الابدي وما زال الرشيد/ الشارع، تلك المسافة المرمية بروية وتأن بين الخطوة الاولى للشارع من جهة "ساحة الميدان" والخطوة الاولى من جهة اخرى شارع "ابي نواس" بعد عبورك تماما من تحت جسر الجمهورية، الان جسر الملكة عالية قبل ان ينقلب المقلوب بقيادة الجنرال عبدالكريم قاسم على النظام الملكي في العراق ابان الصبيحة التموزية القائظة النهار من عام 1958م.

يعود تاريخ شارع الرشيد الى ايام خليل باشا حاكم بغداد وقائد الجيش العثماني حيث "بدأ بتهديم املاك الفقراء والغائبين ومن لا وارث لهم واصبح الطريق ممددا واسعا تسلك فيه وسائط النقل بسهولة وسمي "خليل باشا جادة سي" وكانت اللوحة المعدنية المؤشرة على ذلك معلقة على جدار السيد سلطان علي الى ما بعد الخمسينيات من هذا القرن وسمي عند اهل بغداد باسم "الجادة العمومية" ثم سمي "الشارع العام" واخيرا عندما اجتمعت لجنة تسمية الشوارع والمحلات في بغداد اطلق عليه اسم "شارع الرشيد". (4).

ما ان تدلف مقهى سيد "حسن عجمي" يأسرك فضاؤه وحتى لو بدا في نظرك للوهلة الاولى مكانا كلاسيكيا تقليديا فانه سيبدو غير ذلك عندما تتأمله بعمق من الداخل وخاصة بعد ان تحتسي "استكان" (5) الشاي المقدم اليك بصمت من "شايشيها" ابي داود المخضرم بادراكه النظامين الملكي الذي يكن له الاحترام والتقدير والجمهوري الذي بقي متحفظا منه حتى وفاته قبل اربع سنوات تقريبا، وما زال هذا المقهى محتفظا باثاثه من "السماورات" (6) و "النراكيل" (7) و "التخوت الخشبية" و "الحصران"و "استكانات الشاي" يتوزع رواده منكفئين على مساحة ذات سقف عال وتاريخ ثقافي عميق على ثلاث مجموعات غير متجانسة.. مجموعة مدخني "النركيلة" ومجموعة مقامري "سباق الخيول والدومينو" ومجموعة الادباء والكتاب والصحفيين والفنانين والكثير من اولئك الاحبة بدأوا يختفون ويغيبون ويعبرون الحدود منذ "حملة 1979م" وحتى قيام الحروب الدموية القذرة، لم يتناس المقهى "حسن عجمي" جلساتهم وحواراتهم وسجالاتهم ومزاحاتهم العذبة، بامكانك اليوم ان تنظر الى فضاء المقهى الموحش والخاوي، اين غادر كل اولئك الاحبة، وبامكانك ان تتساءل، اية كارثة حلت في افق وابنية وكائنات الرشيد/ شارعا/ واية كارثة حلت على فضاءات ومخلوقات مقاهيه؟ الرشيد/ شارعا يوازي ضفة دجلة لائذا، ضفة تاريخ وليال طوال وضفة حروب ومآسٍ وغيابات مجهولة، في ذاكرة الرشيد/ مكانا، جنوبيون وشماليون ومنقطعون من مدن عراقية قصية اخرى. اهترأوا من الصعلكة والجوع والقهر والتشرد ومن الوحدة المعذبة في مناسيهم الرطبة في غرف بائسة داخل ابنية مليئة بكائنات اكثر غرابة والما وبامكانك ايضا ان تتملي الصمت الابداعي للرصافي/ الشاعر يقف مطلا على جسر الشهداء.. ومعاهدة بورتسموت التي اشعلت وثبة يناير/ كانون الثاني 1948م ومعركة جسر الشهداء يوم 27 منه اذ سفحت الدماء الزكية (8)، يقف في عراء الساحة الصاخبة بعينين مجردتين جاحظتين ووجه نحاسي صامت ومتصدىء، كأنه لم يعد يعنيه ان ينقب في ذاكرة بغداد طقوسها الصوفية، مباهجها، همومها اليومية، مساءاتها العذبة، مقاهيها المكتظة، تاريخها الخاص المميز، يقف هناك في مواجهة دجلة المحزون يملؤه الاسى ومرارة الموت، ينظر الينا بعينين جامدتين اكثر من جمود الحياة نفسها..!!

بين مقهى "حسن عجمي" ومقهى "البرلمان" اقل من مئتي متر، مقهى مهيب يقع في ركن من "درابين" (9) شارع الرشيد قبالة "جامع الحيدرخانة" (10) الجامع الذي القى في باحته الشاعر الكبير الراحل الجواهري قصيدته في تأبين اخيه الشهيد جعفر احد شهداء معركة الجسر ويعد هذا المسجد بزخرفته الفنية الرائعة احد اهم معالم الفنون الاسلامية المتميزة في شارع الرشيد بما يحمله من اداء جمالي فني راقٍ ومعبر سواء على صعيد الزخرفة باشكالها الهندسية والمعمارية او على صعيد الخط العربي الذي زين واجهة الجامع من الخارج، خط عربي، ابدعته عبقرية هاشم الخطاط البغدادي.
في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي تعرض مقهى "البرلمان" لابشع كارثة ازاحة عرفتها المقاهي الثقافية في العراق، مقهى ثقافي وميدان نزالات شطرنجية كبيرة وملتقى الادباء والمفكرين والمثقفين من العراقيين والعرب والاجانب ينمسخ الى محال مهنية متعددة، اسكافي يرمم احذية الفقراء المعطوبة، ومطعم للوجبات السريعة وقرطاسي حالم بارباح مجزية سريعة، لقد ضاع مقهى "البرلمان" ولم يبق منه شيء سوى ذاكرته الثقافية وشريط من الاسماء الادبية والفكرية والمعرفية الغائبة، غيابات ابدية، غيابات زنازين وغيابات وراء الحدود الى مناف قصية اخضاعية كل ذلك اختفى لكن المكان ابتنى لنفسه ذاكرة حية تنشط عبر الاجيال بهدوء وحيوية وجمال وهكذا كانت روعة "البرلمان".
"وهكذا فبدلا من ان تواصل بغداد ازدهارها الذي بدأ في الخمسينيات وتصاعدت وتيرته في السبعينيات انتكست كما انتكست اوضاع سائر مدننا وقرانا واهوارنا وبدلا من ان يزداد الاقتصاد العراقي تقدما تراجع وصار العراق مكبلا باعباء الديون والتعويضات وتكاليف ما جرى هدمه وبدلا من تعزيز السياحة فقدنا اكثر معالمها واسسها وصار العراق تحت الوصاية الدولية (الامريكية) وبدلا من استمرار الانتاج والابداع الثقافيين والفنيين والعلميين هاجرت مئات الالوف من المثقفين من اصحاب الكفاءات لتواجه (ما عدا اقلية) مشاكل الغربة ولكن بعيدا عن القمع الشمولي". (11).

ان المقاهى/ المكثقافية المتألقة في بغداد وبخاصة في شارع الرشيد، لها مظاهرها الخاصة فهي جزء مهم من الحياة العراقية بشكل عام والبغدادية بوجه خاص، واولئك الذين اعتادوا التردد عليها يبدو عليهم انهم كرسوا ساعات من اسابيعهم لها، هي ساعات تواصل اجتماعية وثقافية ومعرفية مع المعارف والاصدقاء من الادباء والعلماء والمفكرين والفنانين ومحبي الاداب والفنون والمعارف، بل اصبحت هذه المقاهي اشبه بالمعابد الروحية التي تمارس فيها ابهى طقوس العبادة المعرفية والحضارية، يأتي اولئك الرواد لكي يستبدلوا ساعات من العمر مقابل لقاءات فكرية وثقافية باحترام واعتزاز شديدين، وغالبا ما يتواعدون بعد منتصف نهار الجمعة من كل اسبوع ـ يوم اللقاءات المنتظم ـ عائدين الى بيوتاتهم المتفرقة، المتباعدة في حواري ومدن بغداد المترامية. وبين مقهى "البرلمان" المطموس الهوية ومدخل البورصة المعرفية والثقافية ـ شارع المتنبي ـ ايضا اقل من مئتي متر "كانت مدرسة الصوفية التي ارتادها جميل صدقي الزهاوي بعد ان يكون خادمه قد ربط حمارته الحساوية البيضاء المسرجة والملجمة جوار المعهد العلمي ويبقى في الجامع مدة ساعتين ثم ينصرف الى حمارته يركبها بمساعدة خادمه ورجلاه تتدليان وبقدميه الكالة الايرانية الحرير البيضاء وبعدها شارع الاكمكخانة "المتنبي" والاكمك باللغة التركية تعني الخبر وفي اخر هذا الشارع ومقابل مقهى الشابندر كان الفرن الكبير لصنع صحون عسكر في زمن العثمانيين لذلك سمي جادة الاكمكخانة" (12). "المتنبي" شارع ضجيجه جميل واليف، ولا يشبهه أي ضجيج اخر، كائناته هادئة وجميلة صامتة، يتوافده عراقيون وعرب واجانب غرباء، يبحثون عن طائر المعرفة المحلق دائما يمتلىء الشارع ـ انت في داخله الان ـ من جهتيه: الكتاب والكتاب وابنية تضم تاريخها الى واجهتها العتيقة الصامتة بقوة وحنين، حياة وتاريخ، حياة تشع من العيون والابنية والايماءات من الكتب واللوحات وكاميرات التصوير. يأتي مخلوقات البورصة الاسبوعيون، فرادي وجماعات، يتجولون متطلعين بعيون فاحصة، شائهة الى تلك العتبات النصية ـ اعني العناوين باعتبارها احد عناصر تلك العتبات ـ متأرصفة بانتظام على جهتي الشارع يتجمعون امام منتظمات رائعة من العتبات خلف واجهات زجاجية، نظيفة ولامعة، يتزاحمون، منحنين فوق كتب الرصيف برؤوس متلاقية وجباه مضاءة وعيون باسمة وهم يصيخون السمع بصوت "نعيم الشطري" الصادح، ذلك الجنوبي الرائع، عراب بورصة المتنبي وغالبا ما يكون صوته اعلى من جلبة تلك المخلوقات، يعلو رنين صوته، معلنا، افتتاح مزاده الاسبوعي، مزاد للدوريات والمرجعيات والمصادر في مختلف انواع الاداب والفنون والعلوم!! عناوين مغرية باسعار اكثر اغراء ـ في ذاكرة شارع المتنبي رجلان ظريفان هما حسين محمود الفلفلي واحمد كاظم ـ كانا يعرضان مجموعة من الكتب المستعملة في المزاد العلني ـ تمتلىء المساحة الصغيرة قبالة مكتبته ـ مكتبة الشطري للمزاد العلني ـ بالمشترين والفضوليين المتطلعين اليه برؤوس مشرئبة انه احد المشاهد العجيبة والغريبة ، مشهد يستحق بجدارة عناية الملاحظة والتأمل والتوثيق السردي المدون. هنا ترى مجالسي الكتاب وندماءه المخلصين ـ خير جليس في الزمان .. ـ يفارقون هذا النديم الجميل وهم مجبرون على تلك المفارقة، وبين اولئك نسبة كبيرة من الادباء والكتاب والفنانين، يفارقونه بيعا او مقايضة غير عادلة سدا لرمق الحياة فقد واجه مثقفو العراق وبقية الشرائح الاجتماعية الاخرى ما لم يواجهه أي شعب في الدنيا، واجهوا حصارين مدمرين، قاسيين، قذرين ـ استثني منهم كتاب وادباء وفناني ومنتفعي الزي الزيتوني ذوي الحظوات والعطايا والهبات والمنح اليومية والاسبوعية والشهرية والمناسباتية المعلنة وغير المعلنة ـ حصار القمع والقهر والخوف ولقمة العيش من الداخل وحصارا شاملا لا مثيل له في تاريخ البشرية العاقلة!! من الخارج، خارج لا انسانية العولمة ونظامها الجديد.

كثير من الادباء والكتاب والمثقفين امتهنوا بيع الكتب على رصيفي بورصة المتنبي وعلى ارصفة وساحات اخرى من مدينة بغداد المنكوبة. وكثير ممن كانوا على استحياء وخجل وبخاصة الاكاديميون الرواد بمختلف اختصاصاتهم ـ استثني من ذلك اكاديميي ـ القبول الخاص من مدللي البطريارك ـ فقد لجأ اغلب اولئك الرواد الى عرض اجندتهم المعرفية والفكرية مقوءمة بالعناوين ومشفوعة بالاسعار الى العراب والشاهد على مريدي نعيم الشطري يعرضونها اليه. بصمت وتكتم شديدين ليبيعها اياهم بطريقة العرض نفسها..! تلتقي في بورصة المتنبي الثقافية بالشعراء والكتاب والفلاسفة والعلماء والفنانين، تشكيليين ونحاتين ومسرحيين وموسيقيين، تلتقي بكل هؤلاء احياء وامواتا، على حد سواء في مقهى "الشابندر" وهو مقهى ثقافي يقع في نهاية شارع المتنبي، بل هو اشبه بدار الاستراحة الثقافية، يقابل بالضبط مدخل سوق السراي الذي تشكل مكتباته جزء حيويا من تاريخ بغداد الثقافي والحضاري " فقد حدثنا التاريخ بان (سوق السراي) نشأ في العهد العثماني وذلك عندما شيد والي بغداد (داود باشا) عام 1816م (مبنى السراي) وجعله مقر الحكومة ويومها كانت سوقا للسراجين الذين يمتهنون صناعة الجلود، الحقائب، سروج الخيل، الرسن، الاحزمة، اغلفة السلاح، النطاق… ولكن عندما تأسست اول مطبعة 1902م في منطقة (جديد حسن باشا) القريبة من السوق ثم شيد الوالي (نامق باشا) دائرة البريد عام 1905م واعقبها تأسيس مطبعة الحكومة، عندها تهيأ الجو المناسب لبذرة نواة المكتبات (سوق السراي) الحالي، ويحدثنا التاريخ بان اول مكتبة فتحت ابوابها فيه كان صاحبها يتاجر بكتب طب الاعشاب والمخطوطات القديمة وكتب الانساب ودواوين الشعراء" (13).
بعد التجوال والتبضع واللقاءات العابرة، ستجد نفسك، مستريحا في (مقهى الشابندر) وستستمتع بمشاهدة معرض فوتوغرافي دائما لمدينة بغداد القديمة ـ معروضا من خلال جدران ذلك المقهى الرائع وتعد بعض المقاهي في بغداد خلال العقود الاولى من القرن المنصرم اشبه ما تكون بالمنشآت الثقافية او مدارس للموسيقى والغناء واصول المقام العراقي الاصيل حيث كان يتردد عليها، عباقرة الغناء والطرب وموهوبو السرد الشفاهي ومغرمو المقام العراقي كما هو الحال في (مقهى المميز) انذاك المطل على دجلة، قريبا من جسر الشهداء والملاصق لجدار "جامع الاصفية" الذي تم التصدي من منارته لوثبة الطلاب عام 1948م.. !!
عصرا، يشيع الهدوء المهيب في شارع المتنبي المنفتح من نهايته على تقاطعات متعرجة، منحدرة من بداياتها، نحو نهر دجلة الذي تفصله عنها ابنية ومساجد تاريخية لها طعمها الجمالي الخاص، هدوء في نهاية اليوم يلتجىء الى ليل شارع المتنبي الموحش.. والمتنبي التمثال ما زال مائلاً برأسه في ساحة البلاط لكنه اليوم بلا راس !!!

الهوامش:
1 ـ تسمية تطلق على النادل الذي يقدم الشاي لزبائنه في المقاهي العراقية
2 ـ عباس البغدادي ـ لئلا ننسى، بغداد في العشرينيات ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الثانية ـ ص 126.
3 ـ نفس المصدر ص 252.
4 ـ قدح زجاجي صغير انيق الصنع يقدم به الشاي في المقاهي والبيوت العراقية الى اليوم.
5ـ كلمة روسية (سمانور) وتعني: جهاز كبير من النحاس يملأ بالماء ويوقد في وسط الفحم كي يغلي الماء ويستعمل في المقاهي والبيوت العراقية لتهيز الشاي قديما.
6 ـ مفرد (نركيلة) كلمة هندية وتعني جوز الهند التي كانت تستعمل منها ثم صنعت من زجاج التي يترقرق فيها الماء عند اخذ النفس الذي يوصل بين الماء والتبغ والماء.
7 ـ عزيز الحاج ـ بغداد ذلك الزمان ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشرـ الطبعة الاولى ـ ص 105.
8 ـ مفرد كلمة (دربونة) باللهجة العراقية الدارجة وهي الزقاق، ويقال انها تصغير لكلمة "درب". ويقول البعض انها محرفة من لفظتي (درب ابونة).
9 ـ احد اهم الجوامع في شارع الرشيد بناه الوالي العثماني داود باشا سنة 1818م.
10 ـ عزيز الحاج ـ المصدر السابق.
11 ـ عباس البغدادي ـ المصدر السابق صفحة 254.
12 ـ ناجي جواد ـ بغداد سيرة مدينة ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر الطبعة الاولى ص 135.


رجوع


مقالات متعلقة
لا يوجد مقالات متعلقة.

100% 75% 50% 25% 0%


 
جريدة الذاكرة

أوراق الذاكرة

  كي لا ننسى
  ذاكرة الأقاليم
  موسوعة العذاب
  افكار
  فن وأدب
  كتاب في حلقات
  وثائق

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:


 
للمشاركة في أوراق الذاكرة
يرجى الأتصال

editor@IraqMemory.org
 


 

 جميع المقالات المنشورة في الذاكرة تعبر عن رأي كتابها

enana
 


الرئيسية | من نحن | مشاريع | أخبار | ارسل وثيقة | وصلات | تبرع | اتصل بنا | English | كوردي | ارسل الى صديق 

Copyrights © 2005 - 2007,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Developed By Ali Zayni