Email This Article ...     Printer Friendly ...    
 

التاريخ الشفهي ...ضرورة التعريف

خالد سليمان

تاريخ النشر  Monday, September 10, 2007




ما هو التاريخ الشفهي وكيف نشأ وما الحاجة إليه ، بل ما هي ضرورته مادام الجزء الأكبر من تاريخ مجتمعاتنا وثقافاتها شفهي أساساً ؟ في ظل الثورة " التقنياتية " المستمرة في جميع مجالات العلوم والتنكولوجيا ،إذ اصبح التاريخ فيهما جزءً من حركة المجتمع الإستعراضي الحديث ، بماذا يفيدنا التاريخ الشفهي ؟

ليست هناك تجارب في مجتماعتنا المحلية تُمَكِّننا من الإجابة على هذه الأسئلة . ذاك ان التاريخ عندنا ، وفيه تلك المصادر الشفاهية أو الحكواتية إن جاز الإستخدام ، مُعرّف في صفات المؤرخ " الرسمية " ، وفي أدواتها ومنطلقاتها وسلطتها المعرفية بطبيعة الحال .

كما ان عدم توفر حرية البحث وتقصي الحقائق في الجامعات والمعاهد بسبب الإستبداد والسيطرة على مصادر المعلومات وتقنيات الوصول إليها ، أسس مقدمات سياسية وآيديولوجية لتاريخانية أُخرى تفوق قدرة المؤرخ فيها تلك الصفات المعرّفة التي طالما تميز بها " المؤرخ الكاتب " . وبقي التاريخ الشفهي بالتالي أسير إتجاه معرفي رسمي في الكتابة التاريخية من جانب وإتجاه سياسي سلطوي تمثل في الدولة الإستبدادية القومية أو الثيوقراطية .

من هنا ، وقبل الحديث عن تلك الآليات المعرفية والتقنية التي يعتمدها التاريخ الشفهي في تقصي الحقائق نود الإشارة بأن تجربة "مؤسسة الذاكرة العراقية " في هذا المجال تعد تأسيسياً في العالمين الإسلامي والعربي ، ذاك انها منبثقة من خبرة منهجية للعاملين فيها اولاً ، واعتمدت التجربة العراقية الأليمة في ظل حكم البعث من خلال الضحايا ثانياً ، ولم تسبق أية محاولة أكاديمية ، جامعية منهجية هذا المشروع في تدوين شهادات ضحايا الحروب والقمع والإستبداد ثالثاً. كما ان المؤسسة استعانت بتجارب عالمية كثيرة في توثيق " كلام " الشهود عن تجاربهم الشخصية مع رحلة العذاب في عراق عهد البعث .

في التعريفات التقليدية لهذا الحقل الثقافي في الجامعات والمؤسسات الأكاديمية والتعليمية الأوروبية والأمريكية ، لا يرتبط التاريخ الشفهي بالمآسي ورواية قصص الحزن والويلات كما في الحالة العراقية . وقد يكون تدويناً لسيرة عائلة عاشت حياة طبيعية ، أو تدوين مرحلة إجتماعية أو سياسية مهمة في حياة المجتمع من خلال شخص عاش في المرحلة ذاتها ويخزن تفاصيلها في الذاكرة . وهو في الوقت ذاته ليس منهجاً حديثاً في تدوين الأحداث والوثائق ، فقد اعتمده اليونانيون في حروب " بيلوبونيز " بغية تسجيل وقائع الحروب في (411-431 قبل الميلاد ) . وفي القرن التاسع عشر حاول الاثنولوجيون والفولكلوريون في فرنسا تجميع الشهود والأغاني القديمة من أجل التدوين .

ولكن في سبعينات القرن العشرين فتحت " الجامعة الفرنسية " باب البحث عن " الشفاهية " وساعدت في تنمية حكايات الحياة والذاكرة والسيرة والمسح الشفاهي والاثنوغرافي للأحداث وتضاعف تالياً ، العمل في الأوساط الممهتمة بحقل التاريخ الشفاهي .

يمكن القول بأن التاريخ الشفهي هو عمل "طارئ " ينقذ الشهود والأحداث والحكايات من الإختفاء والتلاشي ، فموت الشاهد ، يعني موت الحكاية التاريخية وتفاصيلها وموت جزء من حقيقة الحدث بطبيعة الحال . إنما " طارئ " غير مفتوح لإحتمالات الإسراع في إستنطاق الشهود ، ذاك ان " الشفاهية " تقتضي في الغالب وقت أطول من الوقت المخصص للكتابة التاريخية الخاضعة لسلطة المعرفة والسياسة والآيديولوجيا . كما ان التدوين من خلال التسجيل والتصوير والإطّلاع على المفردات والمقتنيات والوثائق العائدة للشاهد ، يتم وفقاً لمعايير منهجية قد تتطلب لقاءات متكررة مع شاهد واحد بغية تقصي الحدث الذي عاش حيثياته .

والحال هذه ، يواجه الباحثون صعوبات كثيرة في تدوين كلام الشهود حيث يفتقد في الغالب إلى السياق ، ذاك إنهم أُناس عاديون وقد لا يجدون القراءة والكتابة ويروون حكاياتهم بلغة ، فيها العفوية والإرتجال ، يطغيان على جميع الأُطر الأُخرى المتبعة في الكتابة التاريخية . تجدر الإشارة هنا بأن تدوين الوثيقة الشفهية يعلمنا عن الهدف المنشود أكثر من الوثيقة المكتوبة التي قد تتعرض للتلف والتشويه لأسباب زمنية ومكانية ، والإهمال أيضاً . أو للتلاعب والتزوير لغرض الإنتقام أو التشهير أو إفناد مضمونها في أغلب الحالات .

إذاً ، التاريخ الشفهي حقل حيوي من التاريخ ويقف بالضد منه أحياناً ، ذاك ان الراوي فيه أو " الشاهد " ، لا يمرّ عبر المتكلم الثالث وهو المؤرخ ، بل يشكل عبر صوته وصورته وأدواته وعفويته السياق التاريخي للكلام ، بينما صوت الرواي ذاته يمرّ عبر الجماعة في التاريخ المكتوب والرسمي دون إرادته وموافقته للمشاركة في صناعة التاريخ .

مشروع التاريخ الشفهي المصور

يعمل مشروع التاريخ الشفهي المصور في مؤسسة الذاكرة العراقية على تسجيل الشهادات مباشرة من ضحايا نظام البعث في العراق خلال الفترة 1968 – 2003 ، بصرف النظر عن الانتماء القومي والمذهبي والأيديولوجي.

الضحية: هو كل عراقي وعراقية تعرض بشكل مباشر للقسوة والاضطهاد والمضايقة من قبل نظام حزب البعث أو تضرر بشكل غير مباشر نتيجة تعرض أقربائه أو معارفه لتلك الممارسات.

تسعى المؤسسة إلى تعزيز الإيمان بفردية وقدسية الإنسان العراقي بغية الوصول إلى اعتراف اجتماعي بحجم هذه المعاناة. مجموع هذه الشهادات، رواية تلو الرواية، تظهر قصة العراق بعيدا ً عن الأيديولوجية وتساهم في غرس ثقافة التسامح ونبذ كافة أنواع العنف وسياسات الانتقام.

تتطلب مهمة التاريخ الشفهي المصور السير وفق سياق منسجم تتلخص مهامه بالخطوات التالية:
  • القيام بعمل بحث دقيق يستقصي الضحايا في مختلف مناطق العراق.
  • دراسة الوثائق التي يقدمها الضحايا والتأكد من صحتها كوثيقة سليمة لا تشوبها شائبة.
  • تسجيل مباشر لشهادات الضحايا بالصوت والصورة، مع الإشارة إلى أن الشهادة الواحدة تستغرق وقتا ً طويلا ً من الإعداد والتمهيد، إضافة إلى أن وقت التسجيل يستمر لساعات طويلة، وأحيانا ً لعدة أيام حتى يتم استكمال الشهادة الواحدة.
  • الحصول على وثائق وصور ومتعلقات الضحايا الشخصية، لتكون في المستقبل مادة متحف الذاكرة العراقية المزمع تأسيسه في بغداد. · تدوين نصوص الشهادات وتوثيقها وأرشفتها ضمن منهجية شاملة حديثة، لتكون جاهزة في مجالات البحث كمصدر من مصادر البحث العلمي.
  • إنتاج أفلام للضحايا وفق مواصفات فنية حديثة.
  • كتابة دراسات تستند إلى شهادات الضحايا، بطريقة علمية محايدة.

يلتزم منهج الحياد العلمي، وذلك كجزء من الخط العام والثابت للمؤسسة، وهو يحرص على تسجيل الشهادات بطريقة وثائقية دقيقة، من أجل أن تكون مصدرا ً من مصادر التاريخ العراقي، توضع تحت تصرف الباحثين والمختصين، إلى جانب تحقيق أهداف المؤسسة في منع تكرار ما حدث، وصناعة ثقافة الإنسان الذي يحترم الإنسان.


رجوع


مقالات متعلقة
لا يوجد مقالات متعلقة.

100% 75% 50% 25% 0%


 
جريدة الذاكرة

أوراق الذاكرة

  كي لا ننسى
  ذاكرة الأقاليم
  موسوعة العذاب
  افكار
  فن وأدب
  كتاب في حلقات
  وثائق

انضموا الى قائمتنا البريدية

ألأسم:

البريد ألألكتروني:


 
للمشاركة في أوراق الذاكرة
يرجى الأتصال

editor@IraqMemory.org
 


 

 جميع المقالات المنشورة في الذاكرة تعبر عن رأي كتابها

enana
 


الرئيسية | من نحن | مشاريع | أخبار | ارسل وثيقة | وصلات | تبرع | اتصل بنا | English | كوردي | ارسل الى صديق 

Copyrights © 2005 - 2007,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Developed By Ali Zayni