جثث مشوهة وأحياء في عرض مجاني متكرر
11/16/2006


تقع الغرفة التي يتم فيها عرض صور القتلى المجهولين في نهاية رواق طويل تؤدي اروقة متداخلة اخرى ولا تزيد مساحتها عن 20 متر مربع، على جانبيها توجد أرائك خشبية يحتلها رجال من مختلف الاعمار اما ارضيتها فاخليت للنساء بأمر من شرطي يقف عند الباب، كن جميعا متشحات بالسواد، بوجوه كالحة ونظرات حزينة، يحاولن لملمة اجسادهن لكي تتسع الارض لأرامل وأمهات وأخوات قتلى يتتابع وصولهن الى الغرفة تدريجيا. في حين وقف بعض الرجال عند نافذة الغرفة التي تطل على الرواق محاولين الابتعاد عن الضوضاء والتعليقات وروائح الاجساد التي يختنق المكان بها.

كانت الانظار جميعها تتجه نحو جهاز تلفزيون وضع على مائدة في منتصف الغرفة وفوقه مباشرة علقت على الحائط صورة لرجل الدين الشاب مقتدى الصدر واخرى له مع ابيه وعمه وكلاهما ايضا من رجال الدين وقد اغتيلا خلال حكم الرئيس السابق صدام حسين، ويمكن ملاحظة صور هؤلاء في كل مستشفى او مؤسسة اودائرة تابعة لوزارة الصحة التي يديرها وزير من الاتجاه الصدري. كان هناك ايضا جهاز كومبيوتر يجلس امامه رجل في الاربعين، يردُ على كل من يطالبه بأن يبدأ العرض بأنه بانتظار وصول عدد أكبر من ذوي القتلى وان الأمر لن يستغرق سوى بضعة دقائق .

غرفة العرض هذه تقع ضمن بناية الطب العدلي في بغداد المختصة بفحص وتشريح جثث القتلى وضحايا التفجيرات وموتى الحوادث وقد تم استحداثها(أي الغرفة) بعد ان تزايدت في الشهور الاخيرة اعداد القتلى الذين يتم العثور عليهم صباح كل يوم عند اطراف العاصمة وفي شوارعها الخلفية الخالية أو عند اماكن تفريغ القمامة او في مياه دجلة. والمثير في الامر ان كل هؤلاء القتلى أو النسبة الاعظم منهم يعثر عليهم دون اوراق ثبوتية مما يستدعي بقاءهم لوقت غير معلوم في ثلاجات المشرحة بانتظار حضور من يتعرف على بقاياهم. ولأن اعداد القتلى ظلت تتزايد يوميا ولم يعد بامكان من يأتي بحثا عن مفقود ان يرى كل الجثث ليجد ضالته فقد تم اللجوء الى عرض يومي مستمر لصور الجثث واذا كان العرض كابوسيا تتابع فيه اجساد مشوهة تعرضت للتعذيب او لقطع اجزاء منها فليس هناك بديل.. الموت هو الموت وعلينا مواجهته.

وثمة اجراءات لابد من اتباعها قبل الدخول الى الغرفة، اذ ينبغي ان تسجيل اسماء الحضور لدى شرطي يجلس في كابينة زجاجية خارج بناية المشرحة بالاضافة الى تسجيل اسم المفقود المطلوب رؤية جثته امام اسم الشخص الذي يطلب ذلك، ثم ينبغي الانتظار مع حشد غفير من المنتظرين امام حاجز حديدي يمنع مرور السيارات واثناء ذلك تدخل الى المشرحة سيارات حمل صغيرة وكبيرة تحمل جثثا لقتلى غطيت بالشراشف والبطانيات او بصفحات الجرائد كما تمر في الاتجاه المعاكس جثث في توابيت يحملها رجال يرتسم على ملامحهم تعبير متشابه يجمع بين الحزن والانكسار والحقد والرعب والتفكير بانتقام مؤجل. ويخفي بعض الداخلين والخارجين وجوههم بالمناديل والكمامات الطبية التي تباع على الرصيف مع القفازات المطاطية والمطهرات والعطور حتى ليبدو المنظر احيانا كأنه صالة عمليات كبيرة في الشارع لاطباء وجراحين بالدشاديش ولنساء بالعباءات.

واثناء الانتظار امام الحاجز الحديدي بانتظار موعد الدخول يتجاذب ذوو القتلى الاحاديث مع رجال الشرطة الذين يقدمون دون قصد معلومات اكثر دقة واثارة من معلومات وسائل الاعلام، احدهم قال: ان عدد القتلى الذين يتم نقلهم الى المشرحة يوميا يتراوح بين 200الى300 قتيل، بينما قال آخر: ان عمليات دفن الجثث تتم اعتباطيا وليس وفق جدول زمني حسب تاريخ وصولها ويسمح لمقاولين بالحصول على اكبر عدد منها لانهم يمنحون بعض موظفي المشرحة رشى مجزية، وقال ثالث: ان عملية استبدال جثة باخرى حدث يتكرر يوميا، بل ان بعض الجثث لايعرف مصيرها اطلاقا بعد دخولها الى المشرحة وقد لاتسلم الى من يأتون لاستلامها كنوع من الانتقام. واكتفى شرطي آخر كان يجلس على الرصيف بمعالجة هاتفه النقال الذي كان يصدر لحن نشيد (موطني) والذي اختير نشيدا وطنيا مؤقتا للعراق وقد استبدلت كلمة موطني في النشيد بعبارة (ياحسين) كما ان مقاطعه تتغنى بمآثر ميليشيا جيش المهدي.

بعد التاسعة يأتي الشرطي المكلف بتسجيل الاسماء، يفتح دفتره ويبدأ بالمناداة ولكن لا أحد يتحرك من مكانه، بعد قليل يكتشف الواقفون انه بدلا من ان ينادي اسماء الاحياء ذهب الى القائمة الثانية لينادي اسماء الموتى، تصدر اعتراضات من هنا وتعليقات من هناك ثم يتدارك الشرطي خطأه ويبدأ بمناداة الاحياء من جديد.

يهرع الذين يسمعون اسماءهم الى داخل البناية التي يعود تاريخها الى الاربعينيات من القرن الماضي واعيد ترميمها مؤخرا بعد ان اصبح لها دور مهم في عراق مابعد الاحتلال وهي تقع في المجمع الطبي في الباب المعظم (وسط بغداد) خلف بناية وزارة الصحة التي يشاع ان حوادث قتل غامضة تجري في اروقتها ويتم نقل الجثث منها ليلا بسيارات الاسعاف لتستقر في ثلاجات المشرحة ومن الطريف ان نتذكر هنا ان بناية الوزارة انشئت على انقاض سجن بغداد المركزي الذي ظل قائما حتى مطلع السبعينيات وكان رمزا للظلم والاستبداد.

تزدحم غرفة العرض تدريجيا وعند التاسعة والنصف يعلن المشرف على تشغيل الكومبيوتر انه سيبدأ بعرض صور جثث شهر تموز منذ بدايته ثم سيعود لاحقا الى ما سبقها، لا أحد يبدي اعتراضا، تتعلق الانظار بشاشة التلفزيون، تمر الصور الاولى دون اية ملاحظات ثم تبدأ الطلبات والتعليقات والاسئلة مع توالي الصور: أعد الصورة السابقة، ارجو تقريب الوجه، أخي كان يرتدي قميصا يشبه هذا، هذه الصورة غير واضحة، لماذا لايصورون الجثث بالفيديو. ويمكن خلال ذلك اكتشاف ان أكثر الجالسين قد جاؤوا من قبل وشاهدوا الصور مرات ومرات، اما اخطر ما يمكن ملاحظته فهو ان لا أحد من هؤلاء كان يبدي امتعاضا أو تقززا برغم بشاعة الصور ودرجة التشويه الذي حدث للجثث، كانت تعابير الوجوه جامدة، ربما يظهر الحزن عليها ولكنها لاتبدي ردود افعال متوقعة في لحظات كهذه. حتى حين نهض أحد الشيوخ واعلن ان الصورة المعروضة هي لجثة احد ابنائه لم يكن في صوته ولا في ملامحه ما ينبيء عن مأساته، بدا كأنه يعلن عن حدث وقع في مكان بعيد منذ سنوات. وحين انسحب بعد ان اعطي رقم الجثة وتاريخ العثور عليها كان رد الفعل لمن كانوا الى جانبه التعبير عن ارتياحهم لانه ترك مكانه ليجلسوا بشكل افضل.

يستمر العرض لساعات طويلة وكلما اكتمل عرض جثث شهر ما انتقل مشغل الكومبيوتر الى الشهر الذي يسبقه او الذي يليه فذاكرة الكومبيوتر تتسع لآلاف الصور بمختلف الاشكال والاعمار والملل والنحل وهي قادرة على تلبية كل الطلبات.

تبدو الاروقة المؤدية الى الخارج مزدحمة وقد فتحت ابواب الغرف على جانبيها لتفسح المجال لمراجعين بانتظار وثائق واوراق ثبوتية للجثث التي عثروا عليها، اما في الشارع فيستمر انتظار مراجعين آخرين تحت اشعة الشمس الملتهبة تحاصرهم رائحة تعفن الجثث والتي تتصاعد مع ارتفاع درجة الحرارة (تكاد تصل الى ال50درجة مئوي).

تتوالى التوابيت على رؤوس الرجال المقنعين بالمناديل والكممامات ويبدو الحاجز الحديدي الذي يقف عنده رجال الشرطة كأنه مطهر يفصل بين موتين، موت متحقق وموت مؤجل قد يحل قريبا.
ملاحظة:

المقال كتب في شهر تموز 2006 وهو يلخص مشاهدات كاتبه الذي اضطر لمراجعة دائرة الطب العدلي مرات عدة بحثا عن مفقود من أقاربه. 


 

Copyrights © 2005,  Iraq Memory Foundation. All rights reserved

Powered By ENANA.COM