|
" مجاهدي خلق " من المقاومة إلى الإرتزاق
8/30/2007
اللوحة لـ " بيفيرلي فيشمان
يحتل النقاش عن دور منظمة " مجاهدي خلق " الإيرانية في قمع العراقيين ابان إنتفاضة آذار عام 1991 ، حيزاً بارزاً بين الأوساط السياسية والصحافية والقانونية العراقية اليوم . وقد بدأ النقاش حين صرح المدعي العام العراقي " جعفر الموسوي " بأن تحقيقات جرت تثبت ضلوع عناصر ما يسمى بمنظمة مجاهدي خلق الارهابية في مجازر ضد الشعب العراقي، وأن المحكمة ستلاحقهم قضائياً حتى ولو غادروا العراق.
ونقلت نقلت وكالات الأنباء عن الموسوي قوله اليوم قبل فترة وجيزة: إن 150 من عناصر زمرة المنافقين بمن فيهم مريم ومسعود رجوي ستتم ملاحقتهم قضائياً، مؤكداً أن المحكمة الجنائية العليا تلاحق اي مجرم بحق الشعب العراقي اينما كان حتى وإن كان خارج العراق.
كما أشار المدعي العام إن بعض الاجراءات اتخذت مع الدول التي يقيمون فيها من اجل اعادتهم الى العراق واخضاعهم للمحاكمة، واضاف: خلال التحقيق حول جرائم النظام السابق تم التوصل الى وثائق تثبت ارتكاب عناصر زمرة المنافقين جرائم بحق الشعب العراقي خلال الانتفاضة الشعبانية في سنة 1991 جنوب وشمال العراق.
وبيّن الموسوي في سياق الحديث ذاته بإن هذه الجرائم تتضمن القتل والتعذيب والاعتقالات واتلاف الثروات الوطنية في العراق حيث كان نظام صدام البائد قد خصص حصة من النفط لهذه الزمرة. بدورها سارعت وسائل إعلام منظمة " مجاهدي خلق " في مدينة " الأشرف " الإيرانية الواقعة في سهل عظيم جنوب بغداد إلى تفنيد تلك المعلومات وإتهام تصريحات جعفر الموسوي بالدعوة إلى الإبادة الجماعية ضد " المجاهدين . كما وقفت قوى سياسية عراقية " سنية " إلى جانب المنظمة الإيرانية ، رافضة تصريحات المدعى العام المتعلقة بدور "المجاهدين" في قمع العراقيين وضرورة محاكمة رموزها القيادية .
ولكن النقاش ذاته ، وفيه تلك السمات السياسية التي اتسم بها " جيش المجلس الوطني للمقاومة الوطنية الإيرانية " عراقياً ، يحتاج إلى فتح ملفات هذا الحزب الإيراني وعلاقته بالنظام العراقي السابق وفقاً لحيثيات ميدانية وعسكرية أيام إنتفاضة آذار 1991 من جانب ، وأمنية مخابراتية وفقاً لوثائق الأجهزة الحكومية العراقية في العقدين الأخيرين في حكم صدام . وهو تالياً ، نقاش في سياق الحديث عن القمع البعثي إذ شاركته هذه المنظمة بلا تردد ،ولا يمكن ربطه بالدور الإيراني في عراق الراهن ؛ ذاك ان أبعادها أمنية ، وملحقة بالمسألة العراقية دون غيرها .
ثم ان للحديث ذاته وثائق وأحداث ووقائع تثبت تلك المشاركة في مناطق ( كفري ، دوز خورماتو ، كلار ) ومناطق الجنوب العراقي ، وكاتب هذه السطور شاهد عن واحدة من جرائم هذه المنظمة في مدينة كلار في أواسط شهر آذار 1991 . قبل تلك الأحداث الأليمة في ذاكرة أهل مدينة كلار ، والتي كان ضحاياها موظفون من مستشفى المدينة تجدر الإشارة إلى نقطة أُخرى مهمة عن وجود " المجاهدين " في العراق ، وهي تمركز مقراتهم وقواتهم العسكرية في أطراف بغداد دون غيرها ، وكان الهدف في ذلك تأسيس حامية عسكرية مُحكمة حول العاصمة توزعت بين قاعدة خنظاري غرباً ( بين بغداد –رمادي ) وخالص شمالاً ، والمدائن وخان بني سعد ، وقاعدة أُخرى قرب " مديرية الأمن العامة " داخل بغداد . هذا بالإضافة إلى وجود قواعد أُخرى في المناطق المحيطة بكركوك تمركزت فيها قوات هذه المنظمة بعدما سيطرت عليها القوات العراقية إثر عمليات الأنفال عام 1988. كما تجدر الإشارة هنا إلى كتاب صدر بالفرنسية في باريس ، ألفه أحد عناصر المجاهدين حول المجازر التي اركتبها " جيش المقاومة الوطنية الإيرانية " في كل من طوز خورماتو وكفري ربيع عام 1991 ، لا يسع هذا المقال لتناوله و نرجع له في مقال آخر .
فيما خص أحداث كلار ، والتي اشرت إليها كانت الحيثيات بالشكل التالي : بعد تحرير مدينة السليمانية بتاريخ 9-10 /03/1991 من الأجهزة الامنية العراقية والسيطرة الكاملة على "بناية الأمن الحمراء " ، أعلنت إدارة معهد الفنون الجميلة في المدينة ذاتها عن بدء دوامها الرسمي وكنت طالباً في قسم الفنون المسرحية فيه ، إنما كنت مقيماً في مجمع " الصمود " الواقع غرب مدينة كلار . وصلت إلى كلار صباحاً بغية التوجه من هناك إلى السليمانية ، وكنت واقفاً على الشارع العام مترقباً وصول ً أية سيارة عمومية ، أو حتى خصوصية تقل الناس إلى السلمانية ، ذاك ان كراج المدينة لم يبق منتظماً في تلك الأيام . أعلنت قوات البيشمركة في تلك الأثناء عن توجه مدرّعات مصفحة ترفع أعلام بيضاء إلى المدينة قادمة من مناطق قضاء " جلولاء " . في البداية توقع الجميع بأنها مدرّعات عراقية تريد الإستسلام ولذلك لم تبد قوات البيشمركة أية مقاومة . توجهت إحدى المدرّعات شمالاً وأغلقت مخرج المدينة وتوقفت واحدة أُخرى كانت تتبعها في وسط المدينة أمام مستشفى العام.
خرجت سيارة أهلية بيضاء في اللحظات ذاتها من المستشفى نحو الشارع العام وكان فيها أربعة أو خمسة موظفين من المستشفى ، وما كان على المدرّعة الثانية إلاّ ان ترش تلك السيارة وان تقتل الجميع من فيها . أما المدرّعات الأُخرى فتخندقت في مدخل المدينة بالقرب من قلعتها المشهورة " شيروانة " . في تلك الأثناء وبعد تدمير واحدة منها والتعرّف على من قتل فيها ،علمت قوات البيشمركة بأن تلك المدرّعات المصفحة هي لجيش المجاهدين وليس للجيش العراقي وكان الهدف من المناورة السيطرة على المدينة التي طالما لم تمر سوى أيام عمعدودة لى تحريرها من الأجهزة الأمنية العراقية .
ترجع بداية حرب " المجاهدين " على العراقيين إلى الأيام الأولى من إنتفاضة آذار 1991 وكانت إنطلاقتها في الأسبوع الثاني من الشهر ذاته في قضاء "طوز خورماتو" في نفس اليوم الذي تحرر فيه من السلطات العراقية . أرادت قوة من المجاهدين كانت قادمة من مناطق قادر كرم الذهاب إلى " خالص " عبر طوز خورماتو ، فتفاوضت مع قوات البيشمركة في المدينة حول ذلك . وقد أعلم مسؤول القوات الكردية مسؤول تلك القوة بأن " المجاهدين " ليسوا طرفاً في المسألة ويمكنهم العبور دون المس بهم ، إنما بمجرد العبور ووصولها إلى تقاطع " سليمان بك " والذي يربط بين كل من بغداد وكركوك وكفري وطوز خورماتو تخندقت القوة ذاتها وبدأت بقصف المدينة بجميع الأسلحة الثقيلة التي كانت تمتلكها . كما دمّرت سيارة باص عمومية كانت تقل (30) مدنياً من كفري إلى طوز وقتلت جميع ركابها .
خلال أيام معدودة أجبرت تلك القوات أهالي المدينة على النزوح نحو مناطق كلار عبر المخارج الخلفية مشياٌ على الأقدام . وسعت هذه الجماعة التي خصت ذاتها صفة الإرتزاق بعد تخليها عن مشروع المقاومة حربها في تلك الأيام واتجهت نحو كفري حيث بدأت بقصفها بصواريخ الراجمات واجبرت أهلها على ترك المدينة أيضاً . كانت القدرة القتالية لمرتزقة " المجاهدين " تتفوق على قدرة الجيش العراقي ولم تستطع قوات البيشمركة بأسلحتها التقليدية مقاومة قوات غير نظامية – وغير عراقية أيضاً – كان يتم تدريبها وفقاً لنظام الحرس الجمهوري العراقي وفي حوزتها جيمع الأسلحة الخفيفة والثقيلة المتطورة ، والآليات الحربية الحديثة . من الطبيعي ان تدافع منظمة مجاهدي خلق عن نفسها ، إنما لا يمكنها دفن تلك الأعمال العدوانية البشعة الي مارستها ضد العراقيين دفاعاً عن قصور صدام تحت رمال مناطق " العظيم " و" الخالص " أو تحت إسم " الأشرف " .
ولكن من غير اللائق في كل هذا ، هو وضع النقاش والذي طالما ارتبط بالذاكرة العراقية والقمع والإرهاب الحكومي المنظم والأجهزة الأمنية التي طالما امتلكها وصنعا البعث ، في سياق السياسة الطائفية . لذلك ظهر دفاع أطراف سياسية ومذهبية عراقية عن المجاهدين ومحاولة تبرئتهم من تاريخهم ، كــ " جكارة سياسية طائفية" من جانب ، وورقة لعبة خاسرة من لحظة التفكير بها من جانب آخر . ذاك ان منظمة مجاهدي خلق خسرت حتى دعم الشعب الإيراني ولم يعد لها أي تأثير سياسي وعسكري بسبب حساباتها التي طالما ارتبطت بنظام البعث العراقي دون غيرها .
|